حسين معوض يكتب: إهدار 7.5 مليار دولار من أموال معاشات المهاجرين المصريين فى أوروبا سنويًا

مقالات الرأي



العامل العائد من المهجر قبل قضاء 20 عاما فى وظيفته يخسر معاشه ومكافآت نهاية خدمته

■ حجم الإهدار وصل إلى 250 مليار دولار خلال الأربعين عاماً الماضية ووزارة الهجرة تعيد الأمل فى استرداد ثروات المهاجرين

مصدر الدخل الأول والمضمون لمصر من العملة الصعبة هو تحويلات المصريين العاملين بالخارج، يحول المغتربون 18 مليار دولار سنويا، وتعلم الحكومة أن ثروتها مرهونة برضا هؤلاء «الشقيانين»، لكن ليست كل علوم الحكومة تؤثر فى قراراتها!!.

فى زيارته الشهيرة لألمانيا أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسى إنشاء وزارة جديدة للمهاجرين.. وزارة ترحم المغتربين من مرارة تذوقوها من وزارة الخارجية على مر السنوات، بالطبع كان قرار الرئيس مدروسًا جيدا، فقد سبق والتقى الجاليات المصرية فى العديد من البلدان الأوروبية والخليجية، وتتاح الفرصة الآن لممثلى الجاليات المصرية فى تلك البلدان للمشاركة فى كل الأحداث التى تعيشها مصر.. شاركوا الأسبوع الماضى فى مؤتمر لمؤازرة مصر فى حربها على الإرهاب، وأقيم المؤتمر فى مدينة أسوان، ويشارك وفد رفيع منهم فى افتتاح قناة السويس الأسبوع المقبل.

التقيت ممثلى الجاليات المصرية فى فرنسا وهولندا وسويسرا، كان منهم الدكتور هشام فريد وهو صاحب شركة استشارات زراعية، ومحمد البطوط صاحب شركة ديكورات وأثاث بفرنسا، والدكتور إبراهيم يونس مؤسس مدارس النيل فى إيطاليا.

يملك الثلاثة دراسات تفصيلية بالأزمات التى تواجه المغتربين المصريين، وهم بالفعل يشاركون بشكل شخصى فى حل بعض تلك الأزمات.. قدموا لى دراسة عن أزمة حقيقية يواجهها العمال الغلابة فى بلاد الغربة.. أزمة تدفع ثمنها أيضا الحكومة المصرية.. حل تلك الأزمة كفيل بزيادة تحويلات المغتربين بـ 7.5 مليار دولار، حسب تقديراتهم، والأرقام التى سوف اعتمد عليها هنا من تقديراتهم، وهى لا تخالف الارقام المعلنة من الحكومة المصرية.

بطبيعة الأمور لا يحول المغتربون كل دخلهم إلى مصر، يحولون فقط ما يستطيعون ادخاره، وغالبا لا يدخرون سوى ثلث مرتباتهم، وهو ما يعنى أنهم يتقاضون 54 مليار دولار على الأقل.. ونحن نتحدث عن المغتربين المرتبطين بالوطن، وهناك آخرون لا يحولون أموالهم إلى مصر ويعيشون مع عائلاتهم هناك وتكاد تكون علاقتهم بالوطن مقطوعة.

يدفع العامل أو الموظف 60 % من دخله للضرائب، فى المتوسط حسب الدولة التى يعيش فيها، والحقيقة أن العامل لا يتحمل هذه النسبة وحده فهو يتحمل ثلثها وصاحب العمل يتحمل الثلثين، تذهب المستقطعات من المرتب إلى عدة بنود، منها الضرائب والتأمينات الاجتماعية والتأمين الصحى.

فى النهاية يدخل إلى خزينة الدول التى يعمل بها المصريون ما يقرب من 30 مليار دولار، 25 % من هذا الرقم وهو ما يوازى 7.5 مليار دولار يذهب إلى بند التأمينات الاجتماعية، والتى يفترض أن تتحول إلى مكافآت نهاية الخدمة ومعاشات ما بعد التقاعد.. لكن الحقيقة أن النسبة الغالبة من هؤلاء العمال والمهاجرين لا يبقون فى دول المهجر حتى الوصول إلى سن التقاعد، وبالتالى لا يتقاضون معاشاتهم ولا مكافآت نهاية خدمتهم.

يكتفى المهاجر المصرى بتحقيق ثروة متواضعة تكفيه شر الأيام، ويبنى بيته ويزوج بناته وأبنائه ثم يعود إلى بلده، لا ينظر المصرى فى بلاد الغربة إلى حجم الأموال التى تستقطع من مرتبه، دائما تجده سعيدًا بتلك الاستقطاعات لأنه يحصل على خدمات مقابلها، مثلا لا يدفع مليمًا فى المستشفيات الحكومية.. يكفيه برنامج التأمين الصحى، ولا يدفع فى المدارس أو الدروس الخصوصية، ويجد الطرق ممهدة وكل الخدمات التى وعدته بها الحكومة حاضرة.

لا ينتبه معظم المهاجرين أن ما دفعوه أو استقطع منهم تحت بند تأمينات اجتماعية لا يستردونه، معظمهم يكتفى من سنوات الغربة ويعود إلى مصر تاركا حقه فى معاش التقاعد.. غالبا يعود المصريون من غربتهم قبل مرور 20 أو 25 عاما فى وظيفتهم وبالتالى لا يستحقون المعاشات أو مكافآت نهاية الخدمة.. وهو رقم يقدر بـ 7.5 مليار دولار.

أكثر المهاجرين الذين لا يمضون الفترات الكافية لتقاضى معاشات التقاعد فى بلاد المهجر الأوروبية تحديدا هم المهاجرون من دول شمال أفريقيا، خاصة تونس والمغرب ومصر، فى تونس والمغرب انتبهت حكوماتهم الى تلك الأزمة، تدخلت وزارات الخارجية فى تلك الدول لتبرم اتفاقات ثنائية مع أهم دول المهجر لمواطنيهم لتضمن تحويل مستقطعات الضمان الاجتماعى الى البلد الأم، وتقبلت الدول الأوروبية تلك الاتفاقيات، وبالفعل مجرد عودة المهاجر التونسى او المغربى الى بلاده يتم تحويل قيمة ما تم استقطاعه الى بلاده لتتحول إلى حساب صاحبها ويتقاضى معاشه بشكل طبيعى.

ضمنت تونس والمغرب أن أموال مواطنيها تعود إليهم، وضمنت أيضا زيادة نسبة تحويلات العاملين بالخارج.. لكن الخارجية المصرية لم تهتم عبر العقود المنصرمة بتلك الأموال، وفقدت مصر خلال الـ40 سنة الماضية مئات المليارات من الدولارات، أو 250 مليار دولار على أقل تقدير.

ربما تكون وزارة المهاجرين فرصة لفتح هذا الملف ووقف نزيف إهدار ثروات المصريين.