عادل حمودة يكتب: اتصالات مصرية - سعودية تنتهى بلقاء السيسى وسلمان فى القمة العربية القادمة

مقالات الرأي



عمرو موسى ونبيل فهمى ومصطفى الفقى وفاروق جويدة وصلاح منتصر فى جلسة حكماء مع الأمير تركى الفيصل

■ تجميد الخلافات بين البلدين لمواجهة الغياب القومى فى حل الأزمات العربية التى أصبحت بين أنياب قوى أجنبية!

■ مؤشرات إيجابية لفتح الجسور المغلقة: تصريحات الأمير محمد بن سلمان عن قوة مصر وتصريحات سامح شكرى عن تميز العلاقات مع السعودية!


تنشغل مصر والسعودية بخلاف بينهما يزداد توترا يوما بعد يوم فى الوقت الذى يحتاجهما العرب معا لمواجهة مصير مجهول ومظلم يتربص بهم ويلقى بهم خارج معادلة التأثير فى كل ما يرتب للمنطقة التى يعيشون فيها.

مصر نصف قوة إقليمية والسعودية نصف قوى إقليمية وهما معا قوة إقليمية يمكن أن يحسب حسابها فى صياغة المتاعب المزمنة والمتفجرة وعلى رأسها المشكلة السورية التى أصبح علاجها فى يد قوى غير عربية مثل روسيا وإيران وتركيا، رغم أنها مشكلة تخص دولة عربية.

ولا يكفى أن تدعى مصر أو السعودية لحضور المؤتمر الدولى لإعلان حل المشكلة السورية دون أن يشاركا فى الاجتماعات واللقاءات التى تصيغ الحل.. فالحضور فى هذه الحالة لن يزيد عن حضور شكلى.. ربما نفاجأ فيه بما لا يرضينا.. لنجد أنفسنا شهودا على جريمة سياسية لن يغفرها لنا أحد من العرب فيما بعد.. إلا قليلا.

إن الخلاف المصرى - السعودى خلاف داخل بيت واحد.. ومصير واحد.. فى وقت تهدد النيران المشتعلة على أطرافه بحرقه.. ولا نجاة للبلدين سوى أن يجمدا ما بينهما مؤقتا حتى يخمدا الحريق.. وإلا كانت المكافأة الوحيدة التى سنخرج بها من تحت الأنقاض هى الندم بعد فوات الأوان.

والحقيقة أن لا أحد يعرف كيف توترت العلاقات بين البلدين بهذه السرعة.. ولكن.. المؤكد أنهما يدركان الآن أن ما حدث يجب أن يتوقف.. وأن المياه يجب أن تعود إلى مجاريها.. وإلا كانت الخسارة من نصيبهما معا.

وهناك إشارات إيجابية تكشف عن نية واضحة لمد الجسور وإزالة العقبات والبحث عن أرضية مشتركة تزيد فيها عناصر الاتفاق عن عناصر الاختلاف.

لقد بدأت الأزمة فى الانفراج عقب زيارة مسئول مصرى مهم إلى الرياض منذ أسبوعين تقريبا.. وتغيرت تصريحات وزير الخارجية سامح شكرى لتتحدث عمَّا يربط البلدين من علاقات طبيعية بحكم التاريخ والمصير المشترك ودرجة التنسيق القائمة حفاظا على الأمن القومى العربى.. وليس صحيحا بالمناسبة ما نشر عن طلب السعودية إقالته شرطا للمصالحة مع مصر.. هذا فى رأيى نوعا من الخرف الإعلامى.. لا يستوعب ما تصوره أصول وحدود اللياقة السياسية والدبلوماسية فى العلاقات بين الدول.. فلا تجرؤ دولة على طلب التخلص من مسئول فى دولة أخرى لدى رئيسها مهما كانت المكاسب.. وأغلب الظن أن ما نشر كان نوعا من الجهل بتلك الحقائق.. إلا إذا كان الهدف من النشر مزيدا من صب الوقود على النار.

وربما لهذا السبب حصر السفير حسام زكى الأمين العام المساعد للجامعة العربية الأزمة بين القاهرة والرياض بأنها فى الإعلام فقط.. وهو قول يفتقد الدقة لا يجوز أن يصدر من مسئول على هذا المستوى.. نعم الإعلام زاد من اشتعال الأزمة.. لكنه.. لم ينشئها.

وفى الوقت نفسه أعلنت القاهرة عن تخصيص الأرض المناسبة لإنشاء جامعة الملك سلمان فى جنوب سيناء وخصصت الأرض اللازمة لها فى انتظار تمويلها من الرياض لتنتهى خلال عامين.

واستجابت وزارة الثقافة لدعوة مصر لمهرجان الجنادرية لتكون ضيف الشرف هذا العام.

وفى المقابل وصف الأمير محمد سلمان ــ الفاعل المؤثر فى السياسة السعودية ــ مصر بالقوة الكبرى فى المنطقة خلال حوار أخير مع مجلة «فورن افيرز» الأمريكية.

وأضاف: «إن من الممكن هزيمة «داعش» بدول قوية مثل مصر.

وعلى مائدة عشاء بدعوة من السفير السعودى أحمد قطان على شرف الأمير تركى الفيصل حضرها مجموعة من السياسيين والصحفيين المصرييين «عمرو موسى ونبيل فهمى ومصطفى الفقى وفاروق جويدة وصلاح منتصر ومحمد السيد صالح وعادل حمودة» كان هم الطرفين كيفية تجاوز الأزمة بين البلدين.

والأمير تركى الفيصل كان مديرا للمخابرات السعودية وسفيرا لبلاده فى لندن وواشنطن ويعد الآن أحد الحكماء العرب الذين تستنير برؤيتهم الجامعة العربية.. وكانت زيارته للقاهرة التى بدأت منذ عدة أسابيع زيارة غير رسمية.

وكان رأى عمرو موسى: إن الخلاف بين البلدين يزيد من عزلتهما عن المشاكل العربية ويقلل من وينهى دورهما فى حلها.. فنحن لا نعرف كيف ستنتهى المشكلة السورية؟ وما المقصود بإعلان سوريا دولة فيدرالية؟ هل يعنى تقسيمها إلى دويلات سنية وشيعية وكردية؟ ولا يكفى أن ندعى لحضور مؤتمر نفاجأ فيه بحل لا يرضينا.. يجب أن نشارك فى المطابخ السياسية التى تجهز للوجبة النهائية.

إن المأساة المؤلمة أن تكون حلول المشاكل العربية فى أيدى قوى غير عربية فنحن جميعا نجلس على سجادة واحدة لو حرق أحد أطرافها امتدت النيران لباقى الأطراف.

وأضاف عمرو موسى: إن على القاهرة والرياض تجميد نقاط الخلاف بينهما عدة سنوات يقدمان فيها على مشروعات سياسية وعمرانية مشتركة تزيل الجفوة بينهما وتقرب ما بين شعبيهما بما فى ذلك استغلال جزيرتى تيران وصنافير بغض النظر عن حقوق ملكيتهما.

واستطرد الأمين العام الأسبق للجامعة العربية: يجب ألا تتوقف الاتصالات واللقاءات بين البلدين.. وربما.. وجدنا أن من الضرورى تكوين مجموعة عمل مشترك من خبراء وحكماء فى البلدين ليناقشوا كل ما يثير التوتر ويزيد القلق بينهما.. سواء كانت خلافات ذاتية.. أو تصرفات فردية.. ولو كانت هناك نية طيبة فإن الصراحة ستكون أقصر الطرق للتوافق.

ووافق نبيل فهمى على رؤية عمرو موسى وإن أعاد الخلاف بين البلدين إلى وجود قيادة سياسية جديدة فى كل منهما لم يأخذا وقتا كافيا للتعرف على بعضيهما.

وتساءل الأمير تركى الفيصل: لو أن الأمير محمد بن سلمان اتصل بالرئيس عبد الفتاح السيسى مناقشا ومتفهما هل تنفرج الأزمة بين البلدين؟

أجاب عمرو موسى: لو حدث ذلك فإن الاتصال يكون خطوة مهمة لكنها لا تكفى فلابد أن تعقبها لقاءات سياسية وأمنية واقتصادية بين مسئولى البلدين تمتد الشهور المتبقية على مؤتمر القمة العربية فى عمان لتوفر فرصة مناسبة للقاء قمة بين الرئيس والملك، ووافق باقى الحضور على ذلك.

واشتكى الجانب السعودى من «الميديا» المصرية معددا أخطاءها.

هنا روى الأمير تركى الفيصل إنه عندما كان سفيرا فى لندن تعرضت بلاده إلى حملة شرسة من الصحافة البريطانية عقب القبض على مجموعة من البريطانيين متلبسين بشرب الخمر.. وطالبه وزير الخارجية بالتدخل لوقف الحملة.. لكنه.. أرسل إليه قائلا: إن ملكة بريطانيا وحكومتها وحاشيته تتعرض لنفس الحدة فى الانتقادات الصحفية.. ومن ثم علينا أن ننسى الهجوم علينا ما دمنا لسنا وحدنا.

وأضاف الأمير متسائلا: هل تنتقد الميديا المصرية الشأن الداخلى بنفس الحدة أم أنها تكيل بأكثر من مكيال؟

ولم تسلم الصحافة المصرية من النقد الذى جاء هذه المرة من أساتذة كبار فى المهنة مثل فاروق جويدة وصلاح منتصر.

وبينما أرجع فاروق جويدة أزمة الصحافة للانحرافات التى عاشتها فى سنوات عصور مختلفة تجسدت فى الرشاوى التى كانت تقدمها إلى كبار الشخصيات الحاكمة، فإن صلاح منتصر أرجع الأزمة إلى غياب الإدارة الرشيدة فى المؤسسات القومية حتى أصبحت خسائرها فادحة ووصلت إلى حد أن الحكومة ترسل لها 800 مليون جنيه لتوزع أرباحا مثلها مثل غالبية الشركات العامة الخاسرة التى تزيد من نزيف المال العام.

وطالب مصطفى الفقى السعودية بأن تساعد مصر فى سد النهضة ضمانا لتدفق حصتها من المياه دون تأثر بما يجرى فى إثيوبيا.. فالماء والوقود هما عصبا الحياة.. وتوافرهما يزيد من مشاعر الود التى يحملها الشعب المصرى للسعودية.

وجئنا إلى القضية الحرجة.. قضية الجزيرتين.. إن الحكومتين المصرية والسعودية متفقتان على جنسيتها.. ولكن.. الإدارة الخاطئة للقضية جعلتها قضية مصرية وطنية وداخلية.. مما يوجب على السعودية تفهم الموقف الرسمى بما لا يزيده تعقيدا.

وكان الاقتراح الذى قدم من جانبنا هو تأجيل هذه القضية عدة سنوات حتى لا يتأثر النظام فى مصر بسلبياتها فى وقت يعانى فيه الغالبية العظمى من متاعب اقتصادية حادة بسبب تعويم الجنيه وارتفاع الأسعار.. فليس من صالح أحد الآن أن يصاب الحكم بسوء فهو فى النهاية ظهير قوة لكثير من الدول العربية وعلى رأسها السعودية باعترافها.

«إن التفاهم بين القاهرة والرياض» هو الجملة المفتاح التى على العاصمتين التمسك بها بعد أن انفرطت مسبحة العقيق العربية.. وتدحرجت حباتها على طاولة اللعب الممتدة من الخليج إلى المحيط.. حبة ذهبت إلى روسيا.. وحبة ذهبت إلى إيران.. وحبة تغازل تركيا.. وحبة وقعت فى هوى إسرائيل.. وحبات أخرى لا تزال تأكلها الحيرة.. فلا تعرف إلى أين تذهب أو مع من تذهب؟

التحالف المصرى - السعودى هو الفرصة الأخيرة لاسترداد قطعة «الأنتيكا» التى كنا نسميها الأمة العربية ودون هذا التحالف علينا إعلان أن العرب دخلوا مرحلة الشيخوخة التى تصيب من يصل إليها بالخرف السياسى الذى ليس له حدود فهو قادر على ارتكاب الحماقات الممكنة وغير الممكنة.. لكن.. من حسن الحظ أن المسئولين فى البلدين فى كامل قواهم العقلية.