د. رشا سمير تكتب: الحنين إلى نبض المرأة فى أدب إحسان عبد القدوس

مقالات الرأي



عندما ارتكبت الكلمة خطيئة الغواية، مارست الحروف الحب بآراء لا تخشى نظرات المجتمع.. ونامت الفواصل فى أحضان عشق النساء بحثا عن السلوى.. فى زمان أصبحت فيه الفضيلة هى الفريضة الغائبة، والواقع هو التردى والانحدار.

فى محطة الانتظار لآت لا يأتى وماض لا يرحل.. ومستقبل سيظل أبدا فى علم الغيب.. لمع أديب مصرى.. استطاع بقلمه أن يسرق ألباب النساء وأن يجبرهن على خلع براقع الحياء الزائفة، وارتداء البكينى دون خوف من انتقادات المجتمع القاسية.. منحهن الحرية بقلمه الجرىء ورواياته التى احتضنت همومهن وأحزانهن.

أوصموه بالتحريض على الفسق.. واتهموه بالزندقة والإباحية.. ثم وضعوا فى يديه الأصفاد وألقوه فى زنزانة الكتابة النسوية مُنفردا، إنه إحسان عبدالقدوس.. صانع الحب وبائعه؟..الصحفى الذى أدمن السياسة فوضعته خلف الأسوار، ثم أدمن عشق النساء فمكنته رواياته من قلوبهن.

من القصة القصيرة إلى المقال الصحفى ثم الرواية.. يترك لنا إحسان إرثا أدبيا يصل إلى 600 قصة قصيرة ورواية طويلة..عُمر من الإبداع وكلمات مازالت هى نبض كل من اعتنق الكتابة من بعده.. كلنا ترعرعنا على أدب إحسان..فمن منا لم يقرأ له؟ ومن من الأدباء لم يحلم بمكانته وشهرته؟.

رحل ولم ترحل كلماته..غاب ولم تغب أعماله.. عادت الدراما تبحث عن رواياته لتُحييها من جديد، لكن وبكل أسف هذه المرة لم تنصفه كما رأينا فى مسلسل (لا تُطفئ الشمس) مجرد استنساخ ماسخ لرواية عظيمة.

فى اعتقادى أن أدب إحسان تراث عظيم.. وعدد أعمال لا يقارن بجيل جديد من الكُتاب الواهمين، كل من أصدر فيه كتابين اعتبر نفسه أديب الجيل!.. بل إن الأعمال الروائية التى تُنشر اليوم بها من القُبح والإباحية ما لم يكن يتصور إحسان نفسه أنها سوف تُكتب فى يوم ما.

مؤخرا قامت الدار المصرية اللبنانية بإعادة طبع جزء كبير من إعمال إحسان بعد معاناة أسرة الروائى الطويلة مع دار السحار للنشر التى كانت تقوم بعمل مقص الرقيب على أعماله.. فما تراه لائقا تتركه وما تراه يحتاج تعديلا تحذفه، فأضافت وحذفت بساطور الجهل لتذبح أعمالا عظيمة، هكذا بحث ورثته عمن يعيد طبع أعماله بشكل لائق يحترم تاريخه الطويل.

هل كان إحسان مناصرا للمرأة أم كان نخاسا عراها أمام المجتمع وكشف عورات هذا المجتمع من خلال همومها؟!..سؤال مازال مطروحا ينتظر الإجابة.

إحسان عبدالقدوس قلم أنصفه التاريخ، كتب عن المرأة وفضح ذلك المجتمع الكسيح الذى حبسها داخل قفص أنوثتها وأجبرها على الفضيلة الزائفة، ثم راح ينهشها بمقاييسه المختلة وعيونه النهمة.. تلك هى بعض نماذج من نساء رسمهن إحسان عبد القدوس بريشته وبث فيهن من روحه رحيق الحياة.


1- "ونسيت أنى امرأة".. امرأة تبحث عن الحُب

 

قد تصل قامة المرأة إلى عنان السماء لتنافس النخيل طولا وارتفاعا.. وقد تزهو المرأة بألوانها وعطورها وتنضح بجمالها فى صمت.. قد تعلو النساء.. وقد تربح..وقد تعتلى قمة سُلم النجاح بألوان قوس قزح..ولكنها أبدا لا تنسى.. لا تنسى أنها تبحث عن الدفء.. لا تنسى أنها تتوق إلى العشق..لا تنسى أن سكونها بين أحضان رجل هو نجاحها الأكبر.. لا تنسى أبدا.. أنها امرأة.

تلك هى خلاصة ما أراد إحسان أن يقوله على لسان (سُعاد) بطلة رواية (ونسيت أنى أمرأة) ..إنه هذه المرة يكتب عن نموذج المرأة القوية الصلبة التى تتعامل مع الحياة وكأنها حرب لا تنتهى..تدرس الحقوق وتلعب الملاكمة وتناطح الرجال وتتعامل مع الحب وكأنه معادلة رياضيات..تُحب بالقلم والمسطرة وتتوق إلى الجنس فقط لو كانت هى صاحبة الكلمة العليا!..تتمنى الأمومة ولكن بشرط ألا تفقد رونقها ووزنها ودورها الفعال فى المجتمع بسبب كلمة «ماما».

بطلة الرواية هذه المرة هى (سعاد) نموذج للمرأة التى أضاعت حياتها تبحث عن مكان ومكانة لها وسط الرجال، وعندما وصلت إلى القمة اكتشفت أنها بطموح المرأة العنيدة افتقدت دفء الرجل فى فراشها..وراحت وهى فى سن اليأس تعترف وكأنها تُعاتب أيامها..

أجمل ما فى تلك الرواية هى كيف استطاع إحسان عبد القدوس أن يدمج الرواية بكل الأحداث السياسية التى مرت بها تلك المرحلة من اشتراكية وماركسية وإخوان مسلمين بين سطور مفعمة بأحاسيس امرأة تبحث عن الحُب.

الرجل الأول فى حياتها هو زوجها (عبدالحميد) رجل يشعر خارج المنزل بأنها امرأة تتزعم العالم كله، حاول أن يكون منافسا لها فى المهنة وعندما تفوقت عليه قرر أن يتزوجها ويكون هو الزعيم فى البيت..هى المُهيمن على الأمور خارج المنزل ولكنها من الذكاء أن تترك له تلك المساحة لكى يشعر بتفوقه فقط فى فراشها!.. وبسبب عدم كفاءة الطرفين، تخسر سعاد المباراة..فتحمل لقب مُطلقة.

ثم التقت (عادل) الحبيب الذى لم يكن..الاشتراكى، المقاوم، زبون المعتقلات.. نفس القناعات والتوجهات السياسية.. أخذتهما السياسة إلى الفراش.. ومن ثم شعرت سُعاد فى لحظة أن عادل أصبح صاحب حق عليها.. فقررت أن تتملص من قبضته.. وتبحث عن زوج.. لكنها لم تتزوجه، بل تزوجت (الدكتور كمال)!.. وبعد قليل عادت المشكلة الأبدية تطاردها، فهى امرأة أكثر شهرة وأكثر قوة وأكثر استقلالا، فدبت الغيرة فى قلب زوجها.. ولم يعد يستطيع أن يتقبل فكرة نجاحها أو ظهورها..فاشتعلت المنافسة وانتهت الزيجة..وفى سن الثامنة والأربعين بدأت سعاد تشعر أنها تتعذب بأنوثتها، بل إنها تتعلق بالخيط الأخير منها قبل الغروب.. ومازال إحساسها بحاجتها إلى رجل يقويها وتشتد به..وطوال ذلك الوقت، بقيت الحقيقة الوحيدة، وهى أنها لم تنس أبدا أنها.. امرأة..

هكذا تختم (سُعاد) قصتها بكلمات هى بمثابة الاعتراف:

(أعترف بأن فى حياتى نقطة فشل تكررت أكثر من مرة..وتحولت نقطة الفشل إلى مركز فشل دائم..وقد كنت دائما أقوى من الفشل..إننى أعترف..فشلت مع زوجى الأول عبدالحميد..وفشلت مع الرجل الذى جذب أنوثتى.. عادل.. وها أنا أفشل مرة أخرى مع زوجى كمال..ما سر هذا الفشل؟.. لماذا أنجح كزعيمة وأفشل كزوجة؟!)


2- "الخيط الرفيع".. امرأة تبحث عن شرعية العشق

«إنها لا تدرى..لا تستطيع أن تغوص فى قرارة نفسها، أو هى تخاف أن تواجه نفسها حتى لا ترى شياطين الجشع والأنانية تتراقص فوق أعصابها وحتى لا ترى بشاعة ما تريد.. إنها تريد أن تتملكه حتى لو لم تحبه.. تريد أن تتملكه حتى لو خانته مع رجل آخر..تريد أن تستعبده.. أن تكون أقوى منه إلى حد أن يثير شفقتها عليه».

بطلة هذه الرواية هى «منى» امرأة بسيطة دفعتها الحاجة إلى أن تعول أسرتها، واضطرتها الظروف إلى أن تبيع نفسها إلى صاحب العمل وهو كهل عجوز فى مقابل مساعدته المادية لأسرتها.

عن طريق المصادفة تعرفت على المهندس عادل..وسرعان ما انجذب إليها وصرح لها بحبه..وبقيت العقدة..هى أنها بعد علاقة طويلة فى الظلام، تمنت لو أصبح الرجل الذى أحبته ووقفت بجواره وأعطته من نفسها فى السر، هو رجُلها فى النور..ولكنه تملص محاولا الفرار من قبضة الإشهار..فالرجل الشرقى الذى يعلن بعنترية عن حبه فى الظلام لا يستطيع أبدا أن يخرج به إلى النور!.

إنها رواية تحكى قصة طالما حدثت فى الواقع.. قصة هاجمها النقاد والمجتمعات المتحفظة وقت صدورها..إنها قصة امرأة ارتوت بين أحضان رجل أحبته وشعرت بأنوثتها لأول مرة بين يديه.. امرأة عاشت فى الظلام ووقفت بكل ما أوتيت من قوة وراء حبيبها..فسرعان ما تخلص من العلاقة بعدما حصل على منتهاه منها.

هكذا استطاع إحسان فى وقت قامت ضده الدنيا، وقت اتهموه فيه بأنه رجل يدعو النساء إلى الفسوق لأنه جعل القراء يتعاطفون مع (منى) وهى فى الواقع مجرد ساقطة فى بحر الرذيلة!..ولكن الحقيقة أن هذه الرواية هى قصة كل العصور، فهى تجسد أنانية الرجل فى مجتمع يحاكم النساء بتهمة الزنى ويصفق للرجال لأن الرذيلة إثبات لعنترية ذكورية!.

هكذا استطاع إحسان أن ينتصر لقضايا المرأة حتى وهو يرتدى بدلة الرجال!.


3- "أرجوك أعطنى هذا الدواء"..امرأة هزمتها الخيانة

عنوان هذه الرواية واحدا ولكنها فى حقيقة الأمر ليست رواية واحدة ولكنها قصتان بداخل رواية.. الأولى بعنوان (أيام فى الحلال) والثانية بعنوان (أرجوك أعطنى هذا الدواء).. تدور القصتان فى إطار واحد هو الخيانة..رجل يخون زوجته وزوجة تخون زوجها.. إذن هو يطرق باب موضوع آخر شائك وهو موضوع الخيانة الزوجية.

تدور القصة حول امرأة اسمها (ماجدة) تصاب بحالة نفسية سيئة نتيجة لخيانات زوجها المتكررة، التى ينكرها هو، وهى تعيشها كل دقيقة، فتدخل فى خضم حالة نفسية تجعلها تقع فى غرام الطبيب النفسى الذى يعالجها وتسقط بعقلها الباطن فى دائرة التهيؤات التى تجعلها تظن أو تتمنى أن يبادلها هذا الطبيب نفس الشعور على الرغم من صده لها فى كل مرة تحاول إغراءه والتودد إليه فيها..يحاول بقوة الميثاق المهنى أن يوضح لها أنها مريضة ويجب أن تعود إلى أنوثتها التى انطفأت لكى يعود زوجها إلى أحضانها.

فى اتساق أدبى كعادة إحسان يفوق توقعات القارئ، يأخذنا بقلمه الحالم إلى مشاعر المرأة التى يخونها زوجها، وكيف تفقد الثقة فى أنوثتها وكيانها، وكيف ترفض علاقتها الحميمة به نفسيا حيث لا تستطيع أن ترفضها شرعيا..إنها قصة المرأة الشرقية التى تعودت الاستسلام حتى أصبح عنوانها ودواؤها.

فى وصف ماجدة يقول إحسان: (وقد استسلمت له منذ اليوم الأول لزواجهما.. استسلمت كلها بروحها وجسدها وعقلها..استسلمت لشخصيته.. لم يكن هناك ما يمكن أن يبعدها عن هذه الشخصية.. لقد نقلها منذ اليوم الأول إلى عالم جديد..عالم كامل.. كل شيء فيه..لا شىء ينقصها.. حتى المتعة..متعة الجسد..ومتعة الإحساس بتكامل الحياة الزوجية.. وربما كان الشىء الغريب فى هذه المتعة هو أنها متعة صامتة..فهو لا يتحدث إليها كثيرا..ولا يعبر عن أحاسيسه ولا حتى عما يريده بالكلام.. إنه رجل عملى.. يأخذها بلا مقدمات ولا كلام)..