د. رشا سمير تكتب: أمال مين اللى ح ينضرب!

مقالات الرأي



فى لقطة بالغة التأثير وشديدة القسوة ينظر الزوج بانكسار شديد للعُمدة عتمان بعد أن أجبره على طلاق زوجته، ويقول له: «حسبى الله ونعم الوكيل».. ثم يجرى العُمدة على المأذون ويطلب منه أن يقوم بكتب كتابه فى وجود الشهود.. يعترض المأذون ويقول له: هذا لا يجوز يا حضرة العُمدة لأن هناك أشهر عدة..ويرد العُمدة: الورق ورقنا والدفاتر دفاترنا وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم!..

إنها لقطة تاريخية لن تسقط أبدا من ذاكرة الدراما المصرية..لقطة من فيلم الزوجة الثانية لعمالقة هذا الجيل من الفنانين.. الحقيقة أن الأقلام بالأمس التقطت صوراً حقيقية لنماذج من البشر ببراعة واحتراف وجسدتها على الورق وعلى شاشة التليفزيون بعبارات مازالت تتداولها الألسنة وكأنها ميثاق.

لن تنسى أجيال قادمة وأجيال ولت عبارات بليغة مثل جُملة صلاح عبد الصبور وهو العُمدة الطاغية: الورق ورقنا والدفاتر دفاترنا!.وهى التى أصبحت تُقال فى كل موقف يتطلب «طرمخة» بل أصبحت عنواناً لكل فاسد..فالمكان حين يٌصبح ملكية خاصة تتبجح فيه الأشخاص ويظن الفاسد أنه فى منأى عن العقاب..فالورق ورقنا!

ويظل نموذج محجوب عبد الدايم فى القاهرة 30 هو الصورة التى كانت ومازالت وستظل دائما صورة الإنسان الذى يستطيع أن يدوس على كل مبادئه ويقتل ضميره فى سبيل الوصول إلى هدفه..وتظل صورته وهو يقدم زوجته للباشا للحفاظ على كرسيه هى صورة متكررة لكل إنسان استطاع أن يغض بصره عن كل أخطائه وموبيقاته معتقدا أن الغاية تبرر الوسيلة، فمحجوب عبد الدايم هو الرجل الذى استطاع بكل لا مبالاة أن يقف فى المرآة ويلمح صورته الحقيرة فيبتسم ويقول بصوت مسموع: طووووظ!.

ويبقى السيد أحمد عبد الجواد وهو يغازل سُلطانة الطرب فى فيلم بين القصرين ويعطيها البضاعة التى طلبتها من الوكالة بلا مقابل مادى، ثم يلتفت إلى مساعده الذى يسأله مستاء، كيف يسدد تلك الفواتير فى دفاتر الوكالة..فيبتسم ملتاع الأشواق ويقول له: اكتب يا سيدى..بضاعة أتلفها الهوى!..وترتبط تلك العبارة للأبد فى ذهن الناس بالرشوة..فقضايا الرشوة والفساد تتم كل يوم تحت بند «الترضية» و«المجاملة» و«الهدية»..هى دون شك بضاعة أتلفها الهوى!. مرت أعوام على إنتاج تلك الأفلام..غابت أقلام وولدت أقلام ومازالت الدراما تعبر عنا فى كل المواقف..ومازال السؤال يفرض نفسه على الواقع الذى يزداد أسفا وإيلاما.. كيف لا يتم القضاء على تلك النماذج التى جعلت من المجتمع مستنقعاً للرذيلة..

مازال المجتمع بكل أسف يُعانى من تلك الأمراض الإنسانية فى شكل أشباه البشر، فمازال المرتشى والمتملق والقواد والواشى والمشهلاتى والمسلكاتى والمطبلاتى نماذج موجودة على الساحة بل انتشرت لتتسلل إلى نسيج كل المؤسسات والوزارات والهيئات..

لقد انتشرت تلك الأوبئة الإنسانية حتى أصبحت الصورة قاتمة وانزوى المحترمون وأصحاب الذمم والهمم، اختار أصحاب الضمائر أن ينسحبوا ويتواروا حين أصبحوا أقلية وحين شعروا أن المجتمع لم يعد يتسع سوى للعُمدة عتمان ومحجوب عبد الدايم وغيرهما..

أشعر بالحسرة حين أرى أن الدين أصبح تجارة..فرجال يحسبون أنفسهم دعاة يبيعون أنفسهم من أجل المال مثل الغوانى لمن يدفع أكثر!..أشعر بالأسى حين يتم القبض على نائبة محافظ الإسكندرية وهى تطلب رشوة فى هيئة حج لبيت الله الحرام وتقولك: ما تقولش إيه إدتنا مصر! «يا اخوانا اسمه بيت الله الحرام مش الطريق له هو اللى حرام»!.

الفساد والفهلوة والمحسوبية معانى يجب أن تٌحذف من قاموس الدولة المصرية فى مرحلة تحاول فيها الدولة أن تنهض.. قلت وسأظل دائما أقول إن الحساب والردع هما الحل الوحيد للقضاء على نماذج الدراما الخالدة.. والأجهزة الرقابية يجب أن تضرب وبقوة دون خوف.. إن العدالة الاجتماعية هى الطريق الوحيد للقضاء على الفساد المستشرى وعلى إبدال كل النماذج المهترئة بنماذج محترمة أكثر إيجابية..حين يشعر المواطن بالعدل لن يجد سوى الطريق المستقيم ليكون هو الجسر الوحيد للعبور..إن البلطجة الاجتماعية فاقت كل الحدود وعلى الرغم من كل الحملات الإعلانية التى تقوم بها الدولة على الفضائيات لتوعية المواطنين فمازالت هناك فئة لا تسمع ولا ترى!.

وعلى رأى عمنا توفيق الدقن فى فيلم الشيطان يعظ: "هو جرى إيه للدنيا؟ الناس كلها بقت فتوات؟ امال مين اللى ح ينضرب؟!".