نصار عبد الله يكتب : عن علاج الأساتذة

مقالات الرأي



قد يندهش القارئ إذا علم أن أساتذة الجامعات هم من بين الشرائح التى لا تحظى حاليا بحق الرعاية الصحية والعلاج اللائق كما كانت الحال قبل سنوات قليلة مضت، صحيح أن كثيرا من الجامعات تساهم بقدر معين فى تكاليف علاج أعضاء هيئة التدريس الذين يتعرضون لظروف صحية قاسية، لكن هذه المساهمة لا تصل فى بعض الحالات إلى عشرين فى المائة وفى حالات أخرى إلى عشرة فى المائة فقط مما يتكبدونه بالفعل، على سبيل المثال فقد أخبرنى صديقى القديم الدكتور محمد إبراهيم منصور الكاتب المعروف فى صحيفة الوطن والأستاذ المتفرغ بكلية التجارة بجامعة أسيوط (وهو أيضا مؤسس ومدير مركز الدراسات المستقبلية بالجامعة).. أخبرنى أنه تعرض لأزمة صحية مؤخرا وأنه تكبد فى العلاج ما يقرب من مائة ألف جنيه، لكن جامعة أسيوط لم تساهم إلا بعشرة آلاف.. كما أخبرنى الدكتور محمد عبدالستار عثمان أستاذ الآثار الإسلامية المتفرغ والنائب الأسبق لرئيس جامعة سوهاج أنه تكبد فى عملية القلب المفتوح التى أجراها مؤخرا فى مستشفى السلام بالمعادى ما يقرب من مائة وخمسين ألفا، لكن الجامعة لم تصرف له إلا عشرين ألفا.. الأمثلة كثيرة ومتكررة فى عدد غير قليل من الجامعات المصرية التى قامت مؤخرا بإلغاء تعاقداتها مع المستشفيات المتخصصة تاركة أعضاء هيئة تدريسها يواجهون أقدارهم بأنفسهم حينما تنزل بهم الأمراض على أن تقوم بعد ذلك (وربما لا تقوم) بالمساهمة فى نفقات العلاج بالنسب التى ذكرنا أمثلة لها سالفا.. ولقد ازداد بشكل ملحوظ معدل تقتير الجامعات على الأساتذة فى الإنفاق على علاجهم بعد التحسن النسبى الذى طرأ على رواتبهم منذ ما يقرب من عامين،.. وكأن الجامعات قد استكثرت عليهم هذا التحسن النسبى على ضآلته! فراحت تأخذ منهم باليد اليسرى ما سبق أن أعطتهم إياه باليمنى!!.. صحيح أن كثيرا من الجامعات تقوم شهريا بصرف الأدوية مجانا لذوى الأمراض المزمنة.. لكن بعضها يقوم بذلك من خلال إجراءات بيروقراطية معقدة كثيرا ما تدفع بصاحب المرض إلى الإحجام عن صرف الدواء توفيرا للعناء!!.. وإذا كان لى أن أستشهد بمثال شخصى فإننى قد خطر لى يوما أن أمارس هذا الحق، ولقد مارسته فعلا لمدة شهرين ثم توقفت عن ذلك منذ زمن بعيد، رغم أنى أنفق شهريا ما يقرب من ألف جنيه ثمنا لما أشتريه من الأدوية.. ذلك أنك لكى تقوم بصرف الدواء يتعين عليك أن تقوم باتباع الإجراءات الآتية: 1ـ عليك أولا تقديم روشتة أو شهادة معتمدة من الطبيب المعالج متضمنة أسماء الأدوية المطلوبة والجرعات المحددة. 2ـ عليك ثانيا أن تتقدم بطلب إلى مدير المستشفى الجامعى لشراء تلك الأدوية وتوفيرها بصيدلية مستشفى الجامعة 3ـ عليك تتبع مسار الطلب إلى أن تتم عملية الشراء وإيداع الأدوية فى الصيدلية (وهو إجراء يستغرق عدة أيام) 4ـ عليك بعد ذلك أن تتوجه إلى أحد أطباء المستشفى الجامعى لكى يقوم مرة أخرى بإعادة كتابة أسماء الأدوية ذاتها على روشتة خاصة بالمستشفى! 5ـ عليك بعد ذلك أن تتوجه إلى الصيدلية للصرف 6ـ عليك تكرار جميع الإجراءات السابقة فى الشهر التالى، بالطبع سوف تبدو أغلب هذه الإجراءات لا لزوم لها على الإطلاق من وجهة نظر من لم يسبق لهم التعامل مع البيروقراطية الحكومية، أما الذين شاء لهم قدرهم أن يتعاملوا معها فى مناسبة أو أخرى، فإنهم لن يدهشهم على الإطلاق ما يمكن أن يصدر عن أى موظف حكومى حتى لو كان ذلك الموظف طبيبا أو مسئولا فى موقع يفترض فيه أن يخرج من الصندوق، لكنه بحكم موروثه الثقافى يظل قابعا فيه.