د. رشا سمير تكتب: صبح على مصر ولو بربع مليون جنيه!

مقالات الرأي



ويأتى رمضان كل عام بنفس المقدمات ونفس الزحام ونفس الإسراف..وكأنه شريط سينمائى نستعرضه كل عام بنفس السيناريو والمخرج والأبطال.

أسبوع قبل الشهر الفضيل من المرور المرتبك الخانق المتوحش عديم الرحمة غير المُبرر..الشوارع عبارة عن إشارة مرور كبيرة تحتضن السيارات، ظاهرة تحتاج إلى وكالة ناسا لفك طلاسمها..وربنا ما يقطع لنا عادة!

ومن المرور إلى مذبحة السوبر ماركت التى تنصب فوائدها فى جيوب التجار الجشعين..شعب مُستهلك من الدرجة الأولى، فمهما ارتفعت أسعار الأشياء هناك دائما طريقة لتدبير سعر الياميش وتخزين علب الصلصة وكأن المجاعة آتية لا محالة!

أما فى ساعة الإفطار، فيصطف الشعب فى طابور بلا نهاية أمام محال الحلويات الشرقية..حتى كادت أسعار الكنافة بالمانجو أن تنافس سعر متر الأرض بالتجمع الخامس! (يعنى اللى بيفهم يشترى كنافة بالنوتيلا ويسقعها لرمضان الجاى)!

وأخيرا ينطلق أذان المغرب وسط خناقات ومشاحنات قائدى السيارات..وهى المرحلة التى تستطيع فيها الإفطار دون تمر ولا قمر الدين..فالإفطار عادة ما يكون على السب والشتيمة وإزعاج أبواق السيارات!.

المظهر الوحيد الإيجابى فى هذه المأساة يكمن فى كم الناس التى تكتظ بهم المساجد وقت صلاة التراويح، لدرجة تجعلنا نتساءل: ولما كل الناس متدينة كده، أمال مين اللى بيشتم ويسرق ويكذب طول النهار؟!

ويتسمر الجميع تحت تأثير المخدر العام أمام شاشات التليفزيون.

وكعادتها تطلق شركة المحمول الأولى فى مصر إعلانها السنوى الذى يُبهر الكبار والصغار..ديكور مُبهر..وزفة من الفنانين.

ويتساءل الناس: كم دفعت شركة المحمول أجورا لهؤلاء الفنانين؟ وكم تكلف هذا الإعلان؟!

الرد سيكون وببساطة، أنها شركة خاصة ولها الحق فى إنفاق ما يحلو لها (وربنا يدى الجميع) ولكن....

ماذا لو أنفقت الشركة هذا المبلغ لتطوير الشبكة المتهالكة التى لا تسمح لأى متحدث بإجراء مكالمة واحدة مكتملة دون أن يتقطع الصوت وتهرب الإشارة ويعاود الاتصال فيجد التليفون مغلقا حتى يفقد الأمل؟

وماذا لو بدلا من النصب العلنى فى فواتير المحمول التى يشتكى منها العملاء كل يوم، يتم تقديم خدمة محترمة للمواطنين؟ أعتقد أن هذا بمثابة ألف إعلان لن يكون عائده الوحيد هو الانبهار!

وتنهمر إعلانات الخير علينا من التليفزيون سيولا..والمدهش حقا أن الفنانين والشخصيات العامة التى تتبنى حملات الإعلان عن إنسانية بلا حروق ومستشفيات السرطان ومساعدة الفقراء، والذين يظهرون على الشاشة متعاطفين داعين الناس للتبرع، لم نسمع أن أحدهم قد قام بالتبرع بمليم لهذه المشاريع ولم نسمع أيضا عن تبرعهم ولو بجنيه لمبادرة دعم مصر (وماحدش يقولى أصلهم بيتبرعوا ومابيقولوش..لأن اللى بيتبرع بيعمل فرح على فكرة!).

وماذا عن برامج المقالب البلهاء التى يصطنع فيها الضيف العبط حتى يقبض المبلغ المحترم وينفض المولد.

أما عن أجور الفنانين المُبالغ فيها فحدث ولا حرج..وهى التى أثرت بشكل واضح على جودة الأعمال المقدمة وصناعة السينما.

فالأجور التى وصلت إلى ٣٠ مليوناً وأكتر جعلت شركات الانتاج تبتعد عن الانتاج المحترم الكبير الذى يستطيع أن يضم مجموعة أسامى كبيرة مثل ليالى الحلمية قديما وأفلام الستينيات، حين كنا نرى الفطاحل فى فيلم واحد يصنع مجد السينما المصرية..أما اليوم فالأعمال الدرامية أفلست والمنتج يضطر إلى الاستعانة بنجم واحد كبير يتم تفصيل السيناريو على مقاسه وحوله مجموعة من الفنانين الصغار للتخديم على الحدوتة!..لدرجة جعلت كتاب السيناريو يقتبسون أفكار بعضهم البعض والدليل أن بطلات أغلب الأعمال الدرامية هذا العام إما محاميات أو مخبولات!

إن البلد الذى يتقاتل الناس فيه بالسيوف أمام شركة تبيع كومباوند سعر المتر فيه 10 آلاف جنيه بالتجمع..هى نفس البلد الذى يأخذ فيه نجم صنعته الصدفة 20 مليون جنيه عن دوره فى مسلسل..هو نفس البلد الذى وصل فيه سعر طبق الكنافة بالمانجو إلى 300 جنيه..هو ذات البلد الذى تتكلف فيه إفطارات وسحورات الجهات الخاصة ورجال الأعمال فى رمضان ملايين الجنيهات..هو نفس البلد الذى حين تُطلق مبادرة لدعمه بجنيه لا يجرى للتبرع سوى الغلابة والبسطاء الذين يدركون معنى الوطن وقيمة دعمه.

رمضان كريم..وربنا ما يقطع لنا عادة..قولوا آمين!