د. رشا سمير تكتب: أزمة ورق.. وأزمة نسب.. وأزمة زخم

مقالات الرأي



لم يعد بوسع أى شخص بالغ عاقل أن يتابع الأعمال الدرامية المقدمة فى رمضان كلها.. وبالتالى لم يعد بوسع أى ناقد فنى أن ينقد بحيادية أو أن يُعطى كل فنان بذل جهدا فى رمضان حقه.. وبسبب حالة الفيضان الدرامى اختلط السيئ بالردىء وأصبح المشاهد لا يتابع سوى الإعلانات الطويلة التى يتخللها بعض المسلسلات القصيرة فيمل وينام!.

من نفس المنطلق حاولت جاهدة أن أتابع أغلب الأعمال المعروضة ولكن هيهات.. وبعد جهد جهيد ومتابعة متوسطة توصلت إلى نتيجة واحدة أكيدة وهى أن الأزمة الحقيقية فى الدراما التليفزيونية الرمضانية هى أزمة ورق!..

فموسم رمضان هو موسم إعلانات وجذب تليفزيونى جعل كل المنتجين يتنافسون على عرض أعمالهم فى رمضان، على الرغم من أن الزخم يجعل بعض الأعمال الجيدة تتوه فى الزحمة.. مثلما حدث هذا العام مع مسلسل أفراح القبة الذى كتبه السيناريست المحترف أحمد أمين راضى عن قصة العظيم نجيب محفوظ، وتألق كل أبطاله، لكن فى هدوء شديد وبعيدا عن المتابعة الجيدة مما لم يجعل المسلسل يأخذ حقه فى النقد.

أصبح من الواضح أن هناك أزمة حقيقية فى الإبداع فى مصر.. فالروائيون أصبحوا يعتمدون على مراجعين ومنقحين يعيدون صياغة أعمالهم أو بالأدق يكتبون لهم بالأجرة!.. وبالتالى فالأعمال الروائية التى تباع للدراما أصبحت رديئة وبالمثل تحول كتاب السيناريو إلى قناصة يتوارون ليتصيدوا قصص الآخرين وأفكارهم.. حتى أفلس الجميع.. وانتشرت ظاهرة الاقتباس والسرقات.. فلا يخلو رمضان من عدد من القضايا المرفوعة بهذا الصدد..

وصل الإفلاس بكتاب الدراما إلى حد أن تقرر الفنانة زينة أن تستأجر منتجا وسيناريستا لبطولة مسلسل كل مضمونه هو حرق دم أحمد عز (طب واحنا ذنبنا إيه يا جماعة، ده شيطان ودخل بينهم)!.

كما وقعت المتميزة نيللى كريم فى فخ التكرار الذى فرضته عليها السيناريست مريم نعوم.. لتعيدها إلى عنبر المجانين بعد ثلاث سنوات تنقلت فيهم بين عنابر الإدمان والسجون والمجانين بنفس التيمة والطريقة!.. نيللى طاقة إبداعية رائعة ولكن تكرار الدور جعل المشاهد ينصرف عن المتابعة والإشادة مثل كل عام..

وجاء الجراند أوتيل بقصة مقتبسة من مسلسل مكسيكى يحمل نفس الاسم.. ليعيد المشاهد المصرى إلى زمن الحلم الجميل.. زمن الملابس المنمقة والمناظر الخلابة وفخامة الديكور.. فيدخل على نفوس المشاهدين حالة من البهجة جعلتهم يتابعون المسلسل ثم تحدث المفاجأة وتطيح أنوشكا بالجميع وتتصدر المشهد بقدرة تمثيلية فائقة ورُقى فى المظهر والكلمة والحركة، تمكن يظهر فى صورة تؤكد على موهبة بدأتها فى قانون المراغى وصقلها دورها الرائع فى الجراند أوتيل، دور أمسكت بتلابيبه وذابت فى تفاصيله فلمعت وتألقت.. والحقيقة أن كل من عملوا فى المسلسل أضافوا له وأضافوا لأنفسهم.. فمحمد ممدوح أكد موهبته التى كتبها دوره فى مسلسل (طريقي) واستطاع من جديد أن يخطف الأضواء بتلقائية شديدة فأضاف للدور وأصبح حديث رمضان.. كما تألق عمرو يوسف ولمعت أمينة خليل.. ولا أريد أن يفوتنى أحد، لأن الحقيقة أن الجراند أوتيل نجح بتقدير امتياز جماهيريا.. نجاح كان وراءه سيناريست ومخرج استطاعا أن يشكلا الأبطال ويصنعا حالة من التناغم الناعمة..

وعلى الرغم من أن أسطورة فاوست ليست بجديدة وتم تناولها فى أكثر من عمل درامى إلا أن أداء يحيى الفخرانى وهالة صدقى فى (ونوس) أعادنا إلى زمن العمالقة، حيث المشاهد التمثيلية التى تُدرس، وحيث المنافسة الاحترافية التى تصب فى مصلحة المشاهد دون ابتذال ولا قيمة فارغة..

حصل مسلسل (فوق مستوى الشبهات) أيضا على نسبة من المشاهدة أعتقد أنها ارتبطت ارتباطا وثيقا بالجو العام للمسلسل ومشاهد السيارات الفارهة والكومباوند المنمق وحالة الحُلم التى عادة ما ينتظرها المشاهد لتأخذه من واقع الزحام والشوارع المتهالكة.. الحقيقة أن المسلسل لم يقدم الجديد فهو نفس فكرة المسلسل الأجنبى (نساء حائرات) جريمة القتل التى تقع فى الحى الهادئ والعلاقات المتشابكة.. إذن لم يقدم الورق جديدا والحقيقة أنه لم يضف إلى يسرا جديدا..

الخلاصة أن الورق الجيد يصنع عملا جيدا.. والزخم الشديد لم يسمح لنا بمتابعة كل المطروح على الساحة فياليت المنتجون ينتبهون إلى أن موسم الدراما يجب أن يكون موجودا طول العام.. وكل رمضان والدراما بخير.