أحمد فايق يكتب: ألمانيا.. دولة تضع تمثالا لعامل النظافة بدلا من رئيس الجمهورية تكريما لَهُ

مقالات الرأي



إسلام بلا مسلمين.. (2)

الغرب المتدين بطبعه 


وصلنا  إلى محطة قطارات هامبورج فى الساعة الواحدة صباحا، زحام شديد فهى المرة الأولى فى ألمانيا منذ سنوات التى يحصلون فيها على عطلة لخمسة أيام متواصلة بمناسبة أعياد شم النسيم أو الـ«إيستر»، لكن هناك الكثير من الفوضى مقارنة بألمانيا التى اعرفها جيدا، أكثر شىء أصابنى بإحباط هو رائحة كريهة انتشرت فى محيط محطة القطارات بسبب تبول المهاجرين غير الشرعيين فى الشوارع، وأيضاً هؤلاء الذين يتناولون كمية كبيرة من الكحول ويقضون حاجتهم فى الشارع ......

قلت لقد ضاعت ألمانيا ... 

بعد قليل بدأت أشاهد مجموعات من الشرطة يتحرك كُلّ اربعة أفراد معا، يرتدون ملابس مهندمة قوامهم رياضى وفى أيديهم كل أنواع الأسلحة من عصا مكافحة الشغب وحتى المسدس ودفتر المخالفات القانونى وهو دفتر إلكترونى وليس يدويا ...

كان الهدف من تجولهم فى الشوارع حتى الصباح هو الردع المعنوى وسرعة التدخل لو حدث شىء، فلا تستطيع أن تسير لـ١٠٠ متر دون أن تجد مجموعة من الشرطة، تركت حقيبة السفر على الرصيف كى أبحث عن محل لشراء شىء، عدت لأجد مجموعة من الشرطيين رجلين وامرأتين طلبا منى عدم ترك الحقيبة بمفردها مرة أخرى، فقد وقفوا جميعا لحراسة حقيبتى حتى أعود ....! 

فى اليوم الثانى عدت فى السابعة صباحا لاستقلال القطار من هامبورج إلى مدينة أخرى فى ألمانيا ....

لقد اختفت الرائحة الكريهة ووجدت أربع دورات مياه عمومية مجانية أمام محطة القطارات ... 

لقد درسوا المشكلة ووضعوا حلا لها ونفذوه فى ست ساعات ....

المشكلة أن دورات المياه العمومية هناك مقابل أموال والمهاجرين غير الشرعيين لا يمتلكون مالا لهذا، لـذَا قضوا حاجتهم فى الشارع، وضعوا حلا للمشكلة ونفذوه بتحويل كل دورات المياه إلى مجانية....

وضعوا قانونا لاستيعاب المهاجرين غير الشرعيين وتحديدا من سوريا بأن تستقبل ألمانيا فى كل قرية عددا من المهاجرين وأن يخصص جزء من الضرائب فى ألمانيا لهم.... 

النظام هناك يقبل المهاجرين الأقل من 40 عاما ومن لديهم خبرة يمكن أن  يضيفوا  للدولة مهندسين وأطباء وفنيين ... 

هامبورج وهى المدينة الثانية فى ألمانيا عدد سكانها لا يتجاوز مليونا و800 ألف، مساحتها تقريبا تساوى مساحة الإسكندرية، بها ثانى أكبر ميناء فى العالم بعد ميناء روتردام، تخيلوا أن هذه المدينة فقط ناتجها المحلى السنوى 80 مليار دولار أى حوالى 800 مليار جنيه، فهم يربحون من كل شىء ويوفرون كل شىء، يستفيدون من مرور السفن عبر بحر الشمال، لديهم صناعات ضخمة، لديهم سوق كبيرة يأتى إليها السائحون من كل أوروبا والعالم، البيوت مصنوعة من طوب عازل للحرارة ويستطيع الحفاظ على الحرارة الداخلية للمنزل عند درجة 22 درجة مئوية، وبالتالى ورغم أن درجات الحرارة تصل فى هامبورج إلى 18 تحت الصفر إلا أنهم بتقنية بناء البيوت العازلة للحرارة لا يستخدمون التكييف أكثر من 4 ساعات فى اليوم توفيرا للطاقة!

فى هامبورج تشعر أن كل شىء مختلف، رائحة الهواء.. البشر.. الألوان المبهجة المنتشرة حولك، اللوحات التشكيلية، إيقاع البشر الذى يشبه القطار صباحا فى قوته وسرعته، ومساء يشبه الغزال فى دلاله وحبه للحياة، فهم شعب يستطيعون أن يستمتعوا بالحياة بنفس القدر الذى يعملون بجد، الطعام له طعم مختلف كله طبيعى لم تطله مسرطنات يوسف والى ولا فساد مبارك ونظامه، هامبورج هى عاصمة أوروبا الخضراء، هل تتخيل أن نصف مساحة المدينة عبارة عن متنزهات ومساحات خضراء كى يستمتع بها سكانها وزوراها، مدينة منفتحة على العالم، فى الشارع تستطيع أن تميز بين الجنسيات المختلفة من شرق آسيا حتى شمال إفريقيا، يجمعهم شىء واحد فقط وهو الإيقاع الألمانى، والنظام الدقيق الذى لا يميز بين أحد وآخر، سينمات ومسارح وأماكن للتسوق، ومحطة قطار فيها كل شىء وكأنها مدينة بالكامل، داخل محطة القطار محلات الملابس العالمية والمطاعم والمقاهى ومحلات التليفونات، وتوجد أيضا صناديق خاصة تستطيع أن تحتفظ داخلها بحقائبك لو وصلت مبكرا، حتى دورات المياه نظيفة، رائحتها جميلة، وبالطبع كله بثمنه فلا تستطيع أن تدخل إلى دورة المياه دون أن تدفع 1 يورو، وهو الثمن الذى من أجله تقدم لك كل هذه الخدمات.

إن ألمانيا واحدة من 50 دولة فى العالم تطبق مبادئ الإسلام ولا تدين به ....

وتأتى مصر والسعودية والدول العربية فى مراتب متأخرة جدا فى تطبيق مبادئ الإسلام ....

المبادئ فى العدل والرحمة والمساواة والحريّة وليس فى فرض الجلباب واللحية والإرهاب ومصادرة حرية الآخرين....

لقد فازت ألمانيا بكأس العالم عام 2014 ... 

احتفل الجميع بالمشهد ولم يسأل أحد ..

لقد ربحت ألمانيا العالم فى كل شىء قبل الكرة ...


المشهد الأول: ليل خارجى.. فى مدينة آخن الألمانية

وجدت تمثالا ضخما يبدو أنه لرجل ذى مكانة كبيرة فى هذه البلاد، التمثال من البرونز وملامحه تدل على أنه ربما يكون رئيس المانيا سابقا أو عالما، وبعد ثوان اتضحت معالمه لى، ففى يديه شىء أقرب إلى أدوات الحرب البدائية، إذن هذا الرجل ينتمى إلى العصور الوسطى، فتأكد لدى أنه محارب أو قائد جيش سابق، كان معى صديقى العالم المصرى الدكتور مهندس هانى سويلم المدير الأكاديمى لقسم هندسة المياه جامعة آخن وصاحب مشروعات تنموية تم تطبيقها فى 23 دولة فى العالم، سألته بإعجاب عن هذا الشخص فقال لى هذا تمثال لعامل نظافة والآلة التى فى يديه هى «مقشة» عادية، فهى الدولة الوحيدة فى العالم التى تضع تمثالا ضخما لعامل النظافة ولا تضع تماثيل لرئيس الجمهورية.


المشهد الثانى: ليل خارجى.. مدينة هانوفر

كنت أنتظر موعدا مع باحث مصرى شاب فى الهندسة خارج محطة القطار الرئيسية، ثم سمعت أصواتا أوبرالية وأسرعت نحو مصدر الصوت كى أستمتع بالحفل، لكن الصوت كان يأتى من أسفل الأرض، وبعد نصف ساعة من البحث وجدت أن الصوت قادم من «بالوعة» صرف صحى، فهذه عادة هنا وهى تشغيل الموسيقى فى الصرف الصحى، ولما سألت الباحث مينا قلدس لماذا؟ قال «هم يريدون إخراج كل ما هو جميل مما يعتقد الناس أنه قبيح».


المشهد الثالث: نهار داخلى.. محطة قطار برلين

كنت فى انتظار المهندس هانى عازر مصمم أكبر محطة قطارات فى العالم، أردت دخول دورة المياه، وهذا يتكلف 1 يورو ضرائب ونظافة، لكن لم يكن معى قطعة معدنية، ذهبت إلى عامل النظافة وطلبت منه أن يساعدنى فى «فكة» 50 يورو، نظر لى باستغراب ثم اشار إلى آلة إلكترونية بجوارى تقوم بعمل الفكة. بعد هذه الصدمة الحضارية، وجدت ازدحاما حول محل تجارى اسمه «صنع فى المانيا»، ولما دخلت وجدت أسعارا خيالية، قلم جاف عادى ثمنه 25 يورو أى ما يوازى 250 جنيها، سألت: لماذا ثمنه باهظ هكذا؟ قالت لى العاملة بالمحل إنه قلم ألمانى وصمم خصيصا كى يعيش 50 سنة.


المشهد الرابع: نهار داخلى.. مطار برلين

محل إلكترونيات مبهر، فيه خلايا طاقة شمسية لشحن الموبايل، وأحدث أجهزة الاتصالات فى العالم، لكن للأسف أسعاره باهظة جدا، لا تتحملها ميزانيتى المتواضعة، ثم وجدت اخيرا شيئا يمكن أن أشتريه تابلت بسعر اقتصادى، لكن الفضول دفعنى اسأل لماذا هذا التابلت سعره اقتصادى، قالت لى العاملة: كل بضائعنا المانية الصناعة، وهذا التابلت ربما يكون يابانيا أو صينيا أو شيئاً من هذا القبيل، قالت هذا وهى فخورة بصناعة بلدها وليس بغرور، قلت لها هل تعرفين أنهم فى بلدى يعتبرون اليابانى هو قمة التكنولوجيا، قالت «وهل تعرف أن الفرق بين الصناعة الالمانى والصناعة اليابانى مثل الفارق بين السيارة الـ «بى ام دابليو» والسيارة الـ «ميتسوبيشى»؟

 أنت الآن داخل النظام الألمانى عليك أن تعمل بداخله، وإلا لن تجد لنفسك مكانا للمتعة أو للحياة، فالمواعيد هنا دقيقة، القطار يتحرك مثلا فى الساعة السادسة و23 دقيقة ويصل فى الثامنة و22 دقيقة، إذا حدث تأخير تدفع لك سكة حديد ألمانيا 25% من قيمة التذكرة بالإضافة إلى خطاب اعتذار، تستخدم هذا الخطاب فى عملك حتى لا تتعرض لخصومات أو توبيخ، المواعيد الدقيقة موجودة فى أتوبيسات النقل العام والمترو، فكل شىء هنا إلكترونى تستطيع أن تراه أمامك، على الإنترنت تستطيع أن تحدد كل شىء فى رحلتك، بداية من التنقلات وحتى الطعام والشراب فى الفندق وحجز القطارات والمترو وأتوبيسات النقل العام حتى لو أردت أن تحجز مكانا فى مطعم هناك، سيكون سهلا عليك أن تفعل ذلك قبل أن تتحرك من القاهرة، ولكن تذكر دائما أن تحترم هذا النظام، فى المترو والقطار نادرا ما تجد أحدهم يطلب منك التذكرة، والدخول بدون حواجز أو بوابات إلكترونية، لكن إذا أمسك بك أحدهم داخل القطار وليس معك تذكرة ستدفع غرامة تصل إلى 200 يورو أى 2000 جنيه، بالإضافة إلى توبيخ ونقطة سوداء فى ملفك.

قيمة مخالفة الركن فى الممنوع هنا 400 جنيه أو 40 يورو، وكسر إشارة المرور يخصم نقاطا من رصيد رخصتك، فلدى كل مواطن ألمانى رخصة قيادة تمتلك رصيدا 14 نقطة، وكل مخالفة كبيرة تخصم هذه النقاط، وإذا فقدتها كلها فلن تستطيع قيادة السيارات بقية حياتك فى أكبر دولة صناعية فى العالم، كسر إشارة المرور لا يساوى فقط الخصم من رصيد النقاط إنما أيضا منعك من قيادة السيارت طوال شهرين متواصلين، وليس لك الحق فى التظلم إلا أمام القضاء. الضرائب هنا تصاعدية وتصل إلى 65% وتبدأ من 5%، وبالطبع إذا كنت تتقاضى 2000 يورو فى الشهر فلن تدفع يورو واحدا ضرائب لأن هذا يعنى أنك فقير، لكن لو كنت تربح مليون يورو فى العام فستدفع منها 650 ألف يورو ضرائب!

وفى مقابل كل هذا تعطيك الدولة الصحة والتعليم والطرق مجانا، تضمن لك طعاما صحيا غير ملوث ومعاشا كريما وحياة إنسانية، الحد الأدنى للأجور هنا طبقا للقانون هو 8 يورو ونصف اليورور فى الساعة أى يصل إلى 2000 يورو فى الشهر، وهذا الأجر يتقاضاه العمال البسطاء، وبالطبع لا يدفعون ضرائب عليه، بل ويحصلون على إعانات من الدولة، وبالطبع لا تدفع الدولة هنا أى دعم للمصانع كثيفة الاستهلاك مثل الأسمنت والحديد والبتروكيماويات، الدعم يتم دفعه فقط للفئة التى تتقاضى الحد الأدنى للأجور أو العاطلين عن العمل.

فى النظام الألمانى إذا لم تكن تجيد القراءة والكتابة لن تستطيع أن تعيش، لذا التعليم هنا مهم جدا، ومجانى فى المدرسة والجامعة، فقط الحضانة هى بأجر والأجر طبقا للقانون لا يتجاوز 10% من الدخل، بمعنى إذا كان راتبك 1000جنيه فى الشهر لن تدفع أكثر من 100جنيه لتعليم أبنائك مهما بلغ عددهم فى الحضانة، وإذا كنت تتقاضى الحد الأدنى للأجور وهو 20 ألف جنيه فى الشهر فهذا يعنى أنك فقير ولن تدفع أى شىء فى الحضانة، المفاجأة أن الجامعات والمدارس تتصارع هنا على الطلبة، رغم أن التعليم مجانى، والسبب أن هناك منظومة للربط بين التعليم الجامعى وبين المصانع والشركات، فالحكومة تتكفل هنا فقط برواتب أساتذة الجامعات ونائب لكل واحد منهم، أما المدرسون والباحثون فيحصلون على أجرهم من المصانع والشركات، أو بمعنى أدق من الأبحاث العلمية التى تجريها الجامعة لصالح المصانع والشركات.