أحمد فايق يكتب: متى يخرج المصريون من سيارة الترحيلات بدون «اشتباك»؟

مقالات الرأي



تربينا على محاضرات يوسف وهبى وشر استيفان روستى الناعم الخفيف الدم، لذا صدمنا حينما شاهدنا محمود المليجى الشيطان الذى تعودنا عليه فى الأفلام يتحول إلى ملاك فى فيلم «الأرض»، لكنه تحول من شيطان إلى ملاك، وأصبحت الأفلام الأكثر جماهيرية هى التى تقدم البشر بألوان الأبيض والأسود فقط، تغيرت الصورة الذهنية لدينا وأصبحنا نرى كل شىء على طريقة ملاك وشيطان، ستجد معظم كتب التاريخ تتعامل مع جمال عبدالناصر إما أنه ملاك أو شيطان، حينما تقرأ «سنوات الغليان» لمحمد حسنين هيكل ستخرج تصلى لعبدالناصر الزعيم الذى غير وجه التاريخ فى الكرة الأرضيّة، ولو قرأت الوثائق السرية لثورة يوليو لعبد العظيم رمضان، ستلعن اليوم الذى قامت فيه الثورة وستشعر أن ناصر باع الوطن.

انقسم المصريون إلى ناصرى وساداتى ملكى وناصرى ٢٥ يناير و٣٠ يونيو عثمانى ومملوكى فرعونى وعربى علمانى ودينى.

هل فكر أحد أن نتعامل مع بَعضُنَا البعض على أننا بشر، لقد طرد آدم وحواء من الجنة لأنهما لم يستمعا لأوامر الله، لكن الله لم يتعامل معهما باعتبارهما شياطين، لقد أعطى لهما ألف فرصة، الخطايا هى ما تصنع الدراما والصراع بين الخير والشر هى الأحداث، لأنه إذا عاش العالم كله فى خير سيكون الصراع بين الجميل والأجمل منه، وهى دراما مملة لا يستمتع أحد بها

ذهبت إلى سينما نايل سيتى مساء يوم السبت الماضى حفل ٩ مساء، توقعت ألا أجد زحاما على شباك التذاكر، من هذا الذى يقرر أن يتحمل زحام الشوارع ويذهب إلى السينما كى يشاهد فيلما مثل اشتباك!

المفاجأة أن القاعة كانت شبه مكتملة، من لوحة البداية ترى أن الفيلم يحمل زخما إنتاجيا خاصا وجهات ممولة وداعمة من أكثر من دولة قناة آر تى الفرنسية وشركة بيراميدز للتوزيع التى كانت توزع أفلام يوسف شاهين سابقا بالإضافة إلى أفلام محمد حفظى.

منذ المشهد الأول للفيلم تشعر أن كل شىء مصنوع بدقة ومهارة وأن صناعة السيناريو والعمل على يد المخرج محمد دياب والكاتب خالد دياب خضعت لكثير من مراحل المونتاج والإضافات حتى يخرج كل شىء بالمضبوط، هم يعرفون جمهورهم جيدا أولئك الذين يعيشون فى المنطقة الرمادية، لا يريدونها دولة إخوانية ولا يقبلون بديكتاتورية، يبحثون عن دولة مدنية تحقق للشباب أحلامهم، ليس لهم مطامع فى الحكم، لكنهم يبحثون عن مصر التى رسمت صورتها شادية وبليغ حمدى بأغنية ياحبيبتى يا مصر، مصر التى جعلنا يوسف شاهين نرقص بداخلها فى فيلم إسكندرية ليه هذا المجتمع المتسامح الذى يقبل كل شىء ويطرد التطرّف.

يعرف جمهوره الذى لا يقبل أن يتاجر عليه أحد باسم الله أو يحمل صكوك الجنة والنار أو أولئك الذين يعيشون جوا من التخوين والمؤامرة.. هذا المشاهد الذى يشعر بالإحباط حينما يرى نماذج على السوشيال ميديا تطالب بإعدام نصف الشعب.

تلك النبرة انتشرت فى الوطن باتهام أى معارض بأنه ينتمى للإخوان حتى لو شاهده الجميع يحمل روحه على كتفه فى ٣٠ يونيو.

الفيلم صادم وعلى المستوى الفنى فيه نقلة جديدة للسينما المصرية فليس من السهل أن تصنع فيلما سينمائيا داخل سيارة ترحيلات لا تتجاوز مساحتها الداخلية ٨ أمتار، ومن الصعب جدا أن تصنع سيناريو يجعلك مشدودا طوال الأحداث دون أن تشعر بالملل.. لقد حاول الكثيرون العمل بهذا التكنيك وفشلوا ولم نر أفلاما نجحت فى هذا إلا فيلم عظيم للمخرج صلاح أبو سيف «بين السما والأرض» الذى صنع فيلما كاملا داخل مصعد.

اجتماعيا الفيلم عبارة عن مجموعة من الصدمات ليس صدمات فقط وكأنك أمام أحدهم الذى لا يتوقف عن ضربك بالأقلام وأنت تنظر إلى الأرض معترفا أن معه حق، لقد حقق الفيلم فى ثلاثة أيام مليونًا و٥٠٠ ألف جنيه وهو رقم يؤكد أن هناك آلافًا من المصريين وقفوا طوابير كى يشاهدوا هذا العمل، ووجدوا أنفسهم بداخله.

فى مشهد بديع نرى مظاهرة تسير فى الشارع ويحاول أحد الصحفيين المحتجزين فى سيارة الترحيلات الاستنجاد بهم وحينما يعرفون أنه صحفى فإنهم يقذفون سيارة الترحيلات بالطوب، فقد فقدت الصحافة للأسف الشديد مصداقيتها خلال السنوات الماضية، لقد ضمت سيارة الترحيلات الصحفى والمصور وعامل الـدى جى والسايس والبلطجى والممرضة والرجل الكبير وعسكرى الشرطة والطالب والطالبة، ضمت السيارة الإخوانى والمتعاطف معهم ومن ضدهم والثورى والأغلبية الصامتة ومن ليس له علاقة بأى شىء والإرهابى، لا توجد مساحات كبيرة بينهم فهذا الأب الذى ينزل إلى الشارع مطالبا بسقوط مرسى رغم أن ابنه فى الجانب الآخر عضو فى تنظيم الإخوان، أدان الفيلم جماعة الإخوان فى الكثير من المشاهد الأول حينما «قالت إحدى الشخصيات هو صحيح الريس مرسى هايرجع إزاى دى الدنيا كلها ضدنا» وفى مشهد آخر رائع نرى أحد الإخوان المنظمين يقسم البشر بشكل طائفى وعنصرى فهو يضع المنتمين للتنظيم فى المرتبة الأولى بالشارات الخضراء، والمحبين لهم بالشارات الحمراء، أما بقية الوطن وهم الأغلبية ففى الجانب الآخر كأنهم أعداء، وفى مشهد ثالث نرى أحدهم يقول «مرحلة الإخوان انتهت فى مصر إحنا نروح نجاهد فى سوريا».

تمر لحظات إنسانية تجمعهم وأخرى تفرق بينهم، حينما يتشاجرون داخل السيارة فإن الكاميرا تضطرب وتجعلك غير قادر على الرؤية بوضوح، تضطرب الألوان وتشعر بحالة الفوضى.

الكاميرا منذ المشهد الأول تهتز مع سيارة الترحيلات كلما تحركت، فأنت تشعر بأنك واحد منهم، لقد مررنا جميعا بهذا الإحساس، لقد تخطى الفيلم الكثير من تابوهات السينما المصرية، الشخصيات جميعها بشر من لحم ودم، ليسوا شياطين أو ملائكة ضابط الشرطة ليس ملاكا كما تقدمه بعض الأفلام أو شيطانا كما تقدمه أفلام أخرى، السيناريو اعتمد على تكنيك الوحدات القصيرة المتقطعة التى تَخَلَّق فى النهاية مشهدًا كبيرًا عبارة عن مجموعة من الأفلام القصيرة، كل مشهد فى الفيلم هو عبارة عن فيلم قصير عظيم، امرأة تريد أن تدخل سيارة الترحيلات بالقوة لأن زوجها وابنها بالداخل، ضابط الشرطة يرفض فتقذفهم بالطوبة، ويضطر إلى احتجازها بالسيارة، هو مشهد لا يتجاوز دقيقة لكنه فيلم قصير، فتاة تريد أن تقضى حاجتها فيتحد الجميع فى سيارة الترحيلات رغم أن بينهم دم، السايس الذى يعتقد الجميع أنه بلطجى فيكتشفون أنه نزل المظاهرات من أجل كلبه الذى قتل.

لقد صنع الفيلم نفس حالة الاشتباك على مواقع التواصل الاجتماعى، ردود الفعل حوله من مدح شديد إلى تخوين وعمالة تؤكد أن مصر كلها داخل سيارة الترحيلات تشتبك على كل شىء.

الرسالة فى الفيلم أن السيارة لن تستطيع أن تسير إلا بِنَا جميعا وعلينا أن نبحث عما يجمع بيننا حتى تسير السيارة إلى الأمام.

الدرس الأهم الذى تعلمناه فى السنوات الأخيرة أنه لا يوجد قاعدة مطلقة، لا تصدق أى شىء وتؤمن به حتى النهاية، لقد تربى جيلنا على كل شىء خطأ، وتحولت أخطاؤنا إلى تابوهات نعبدها، فالبشر بالنسبة لنا شياطين وملائكة، لقد ساهمت السينما المصرية وحتى أفلام الكارتون العالمية فى رسم هذه الصورة بداخلنا، الحرامى يجب أن يكون دنجل الذى يرتدى الفانلة مخططة بلونين أبيض وأسود، ومازنجر هو فقط أداة ماهر وجيشه لتحقيق الخير، وأبو الغضب هو رمز الشر.