د. نصار عبدالله يكتب: فاروق شوشة (3)

مقالات الرأي



أتاح لى لقائى الأول بفاروق شوشة فى منتصف السبعينيات من القرن الماضى أوقبيل ذلك بقليل، أن أتبين عن قرب أنى إزاء شخصية تجمع بين الأدب الجم والتوقد الذهنى والثقافة الواسعة المتعمقة، وهى سمات يندر أن تجتمع فى واحد من المشتغلين بالإعلام، بوجه خاص الثقافة الواسعة المتعمقة التى حل محلها لدى المنتمين إلى الأجيال الأخيرة من الإعلاميين ما لا يمكن وصفه إلا بأنه الجهل الفادح والمستحكم!!، وهو ما يتضح جليا من معظم الأسئلة التى يوجهها الكثيرون من مقدمى أو مقدمات البرامج الحوارية إلى ضيوفهم وكذلك من نوعية التعقيبات التى يعقبون بها على كلام الضيف!!، دع جانبا جهلهم وجهلهن الفادح باللغة العربية الذى جعلنى أطلق عليهم يوما أنهم: «مذيعون ومذيعات من ذوات العشر!!»، ذلك أنهم، وأنهن، يصرون على أن يقولوا : الساعة الحادية عشر أو الثانية عشر!! رغم أن الطالب الحاصل على الشهادة الإعدادية (بغير طريق الغش) يفترض فيه أن يعرف أنها "الحادية عشرة" أو"الثانية عشرة"، وليس الحادية عشر! أو الثانية عشر! الأخيرة هى ما يردده فقط ذوات العشر!! دع جانبا جهلهم الفادح باللغة وانتقل إلى أمثلة أخرى مرعبة، مثلا ذلك المذيع الذى يتكلم عن سفر من أسفار الكتاب المقدس فينطقه بفتح السين والفاء!! هو بالطبع لا يعرف شيئا عن الكتاب المقدس، ولا يشفع له مثل هذا الجهل أن يتعلل بأنه مسلم، لا يعلم أن السفر بكسر السين وتسكين الفاء هو الكتاب، أو انتقل إلى المذيع الآخر الذى يظن أن الجماعة اليسارية الشهيرة فى كمبوديا اسمها الحمير الحمر !! ويصر على أن يكررها كذلك أكثر من مرة، ربما كانت النقطة الموجودة على حرف الحاء فى كلمة «خمير» khemir غير واضحة أو ممحوة لكن هذا لا يمحو عنه هو وصمة الجهل.. الأمثلة على أمثال هذه العاهات الإعلامية أكثر من أن تحصى فى جهازنا الإعلامى وبوجه خاص مذيعى ومذيعات القنوات الفضائية الذين يشغلون وظائفهم بمؤهلات دراسية تعادل من حيث مستواها الحقيقى مستوى: «راسب إعدادية»، والذين يشك المرء شكا كبيرا فى أنهم قد شغلوا وظائفهم بناء على اختبارات حقيقية جادة تقيس مستوى تعليمهم وكفاءتهم وثقافتهم.. أعود إلى فاروق شوشة الذى تولى رئاسة الإذاعة عام 1994 فكان شغله لهذا الموقع واحدا من الحالات التى يمكن القول عنها إن الشخص المناسب قد أصبح فى المكان المناسب، وهو وضع قد نجده فى بعض المواقع الإعلامية وغير الإعلامية، ولكنه للأسف الشديد ليس هو الوضع السائد، ولا هو القاعدة بل ربما كان أقرب إلى الاستثناء، ولقد واصل فاروق شوشة رسالته التنويرية بعد تعيينه رئيسا للإذاعة بنفس القدر من الدأب والحماس لذى كان كان يتسم به أداؤه قبل أن يشغل هذا الموقع، فواصل تقديم برنامج «لغتنا الجميلة» فى إذاعة البرنامج العام، وواصل تقديم برنامج «أمسية ثقافية» الذى كان يقدمه فى التليفزيون المصرى، حيث كان فى كلا البرنامجين يجمع بين دور المعد والمقدم ( والمعلم أيضا)، وكما قدم فى برنامج لغتنا الجميلة مختارات قام بانتقائها واختيارها من درر الأدب العربى.. كذلك فقد قد قدم فى الأمسية الثقافية حلقات لا تنسى مع رموز الفكر والإبداع العربى، وإلا فمن ينسى اللقاء الذى قدمه مع توفيق الحكيم أو اللقاء الذى قدمه مع نجيب محفوظ أو الحلقة التى قدم فيها يوسف إدريس، أو الحلقة التى جمع فيها بين الشاعرين الكبيرين: عبدالرحمن الأبنودى وأمل دنقل، وللحديث بقية