الرياض.. 5 وقفات لخطيب جامع الراجحي تمقت تغريدة "آل الشيخ" العنصرية

السعودية

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
Advertisements

في وقت أثارت فيه التغريدة العنصرية التي أطلقها الكاتب، محمد آل الشيخ، استياء الكثيرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي التغريدة التي انتقد فيها شرطة مكة المكرمة؛ لاستضافتها مشايخ ومسؤولين بينهم الداعية الإسلامي المعروف محمد بن صالح المنجد، خلال حفل اختتام أنشطتها الثقافية، متهكماً بالشرطة قائلاً: "ما لقيتوا إلا شيخ سوري يقوم بهذا الدور؟ هل أقفرت السعودية من الدعاة.. يا عيباه"، خصص إمام وخطيب جامع الراجحي بحي الجزيرة بالرياض الدكتور حمزة بن سليمان الطيار، خطبة اليوم الجمعة عن "العنصرية"، في خطبة حملت عنوان "الجاهلية المشينة والعنصرية المقيتة".
 
وقال "الطيار" في مقدمة خطبته: "فإن الله قد بعث نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم للناس كافة، وجعل دعوته للبشرية عامة، وأمَر كل مَن بلغته هذه الدعوة أن ينضوي تحت هذا اللواء الشامخ، ويستظلّ بظل هذا العلَم الباذخ، وجعل بين المؤمنين أخوّة مشدودة الروابط، وثيقة العرى والمعاقد؛ فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ومَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمَثَل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، وكان من مقتضيات ومستلزمات تلك الأخوّة وذلك التماسك؛ ألا يتعالى ولا يترفع مسلم على مسلم، ولا ينظر إليه نظرة استهانة ولا استخفاف؛ فإن من المسلّمات أن الأخوّة والتواد والتراحم أمور لا تجتمع مع التطاول والاحتقار، ولا تلتقي مع السخرية والاستهتار، وإن من المظاهر المؤسفة والتي جاء الإسلام بهدم أساسها وتقويض أركانها: دعوى الجاهلية المشينة، والعنصرية المقيتة، والتفرقة القبيحة؛ سواء كانت بسبب نَسَب، أم جنس، أم بلد".
 
وسرد "الطيار" الخطبة بعد أن خصص لها خمس وقفات جاءت على النحو التالي: الوقفة الأولى: مع قول الحق تبارك وتعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، قال الإمام القرطبي رحمه الله: "وفي هذه الآية ما يدلك على أن التقوى هي المُرَاعى عند الله تعالى وعند رسوله صلى الله عليه وسلم دون الحسب والنسب"، وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى: "فأوضح الله في هذه الآية الكريمة لعباده، أنه لا ميزة لأحد على أحد، ولا فضل لأحد على أحد عند الله سبحانه إلا بالتقوى؛ فأكرم الناس عند الله أتقاهم"؛ فالمعيار المستقيم للفضائل هو التقوى؛ فكم رفع الله بالتقوى والديانة أقواماً ضعفاء، وكم وضع بالمعصية أقواماً أقوياء".
 
وأضاف: "بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه، وفيهم رجال صناديد صالوا وجالوا، يشار إليهم ببنان السيادة، وتُلقي إليهم مكة بأزمّة القيادة، كلمتهم مسموعة، وألوية صولتهم مرفوعة؛ فعارضوا هذه الدعوة، وحاولوا اجتثاثها وهي في المهد، وجهدوا في ذلك كل الجهد؛ فرد الله كيدهم في نحورهم، واضمحلت أمجادهم؛ فلم تنفعهم أحسابهم، ولا رفعتهم أنسابهم؛ فلا يُذكر اسم أبي جهل إلا مذموماً، وبأشنع الأوصاف موصوماً، وفي المقابل قد رفع الله بالإسلام والتدين مَن كان قبل الإسلام مملوك الرقبة، فصار بالإسلام عالي المرتبة؛ فلا يُذكر بلال رضي الله عنه إلا بالفضائل وطيب الشمائل؛ كلما ارتفع صوت الأذان من مئذنة استحضرنا صورته، وهو يصدح بأذانه الجهوري في جنبات المسجد النبوي، ولابتا طيبة ترددان صداه الأزهر الله أكبر الله أكبر.
 
لعمرك ما الإنسان إلا بدينه *** فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب 
فقد رفع الإسلام سلمان فارسٍ *** وقد وضع الشرك الشريف أبا لهب
 
وتابع: "فالتفاخر والتكبر على الآخرين بالحسب أو النسب أو الجنسية ونحو ذلك؛ هو من دعاوى الجاهلية التي أبطلها الإسلام، وهي لو لم يؤثّمها الدين؛ لأنكرها العقل، ورفضتها الشهامة، ومجّتها المروءة، واشمأز منها العدل والإنصاف، ويكفي من شناعة هذه الخصلة ونفرة النفس البشرية عنها، ومصادمتها للسنن الكونية، أن الناس يتملصون منها، وينأون بأنفسهم عن الاتصاف بها، والمبتلى منهم بالتلبس بها لا يسميّها باسمها؛ وإنما يستعير لها أسماء براقة خادعة، وألقاباً ماكرة، يُخفي من ورائها قبح عوارها؛ كالاعتداد بالنفس، والاعتزاز بالجنس.. ولو سألته هل تمارس العنصرية؟ لقال: لا، ولَتبرّأ منها وتجافى عنها؛ لكن مهما يكن الاسم المستمد لها فلن تخفى على الناس؛ بل تصك قوارعها المسامع، ويزكم عفنها الخياشيم؛ فهي -كما وصفها المصطفى صلى الله عليه وسلم- منتنة؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (دعوها فإنها منتنة)".
 
وقال "الطيار" في الوقفة الثانية: أخرج الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله: من أكرم الناس؟ قال: (أتقاهم)، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في وسط أيام التشريق: (يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى.. أبلّغت؟"، قالوا: بلغ رسول الله. رواه أحمد وغيره.
 
وبيّن: فهذا الحديث الشريف من أكبر الزواجر عن النظر إلى الآخر بالنظرة الدونية اعتباراً للفوارق القبلية، أو لفارق اللون، أو لاختلاف الجنس والوطن. وإن على المسلم ألا تغيب عن باله هذه الموعظة البليغة في كل معاملاته مع الناس، وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الصدع بهذا الحديث بين ظهراني العرب في حجة الوداع التي وافاها أشتات المسلمين وبعضهم كان حديث عهد بالجاهلية، وكان التفاخر بالأحساب والأنساب والتكاثر بالأموال والأعداد من عادات المجتمع الجاهلي؛ حتى إن بني الجد الواحد ليتبارون في المكاثرة والمفاخرة؛ فيعد كل منهم ما يمكنه الاعتداد به ليرجَح على أخيه؛ فإذا كافأه في بعض الجهات تنطع في تلمّس جهة يفوقه بها قال قائلهم: 
مسسنا من الآباء شيئاً وكلنا... إلى حسب في قومه غير واضع
فلما بلغنا الأمهات وجدتم... بني عمكم كانوا كرام المضاجع
أي نظرنا فإذا نحن وأنتم سواء في شرف الآباء؛ ولكننا أكرم أمهات منكم.
 
وأوضح "الطيار في الخطبة الثانية، وتحديداً الوقفة الثالثة، قائلاً: منهج دولتنا المباركة المملكة العربية السعودية تجاه الآخرين؛ فمنذ تأسيس هذه الدولة المباركة فتحت الأبواب لكل الناس من أصقاع المعمورة، وفتحت لهم فرص العمل ليُفيدوا ويستفيدوا، ولم يكن من منهجها الانطواء، ولا من ديدنها الانكماش والانزواء، نشرت معارف الإسلام ووسطيته في ربوع العالم، وآوت الكثير من حمَلة العلم ومحبيه إلى أدفأ المحاضن، كما آوت كثيراً من إخواننا المسلمين ممن نكبوا في بلادهم كفلسطين وسوريا واليمن، أغاثت الملهوف، ونصرت المظلوم، وهي بذلك تسطّر أروع الأمثال، وتضرب ألمع النماذج في عكس صورة الإسلام الحقيقية التي تتمثل في التعامل الأمثل؛ فهي محطّ آمال طالب المعاش، ومهوى أفئدة الراغبين في تعلّم ما به صلاح المعاد.
 
واستطرد: إن النكبات التي تُلِمّ بالفضلاء والمصائب التي يغترب من جرائها النبلاء؛ لا تضع شيئاً من أقدارهم السامية، ولا تضعضع أركان أمجادهم العالية؛ فقد تعرض لها سادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وخواص الأولياء؛ فزادوا بها رفعة على رفعة، وقد كان لقب المهاجرين مفخرة حَظِيَ بها مَن رزقه الله الهجرة في سني البعثة الأولى، وقد وقف الأنصار موقفاً مشرفاً فاحتضنوا إخوانهم المهاجرين، وآووهم، وتآخوا معهم، وأحبوهم محبة جمة أنزل فيها قرآن يُتلى آناء الليل وأطراف النهار، قال تعالى: {والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}".
 
وواصل في الوقفة الرابعة، وقال: شعب المملكة العربية السعودية الشعب الوفي الذي عزز موقف دولته في هذا الأمر، وقد عُرف عن هذا الشعب -على وجه الإجمال- نبل المشاعر، وكرم الضيافة، ودماثة الخلق، ولين الجانب، وعدم التطاول على الآخرين. وأفراده في أسفارهم التعليمية والسياحية والدعوية معروفون بالجملة بكف الأذى، وبذل المعروف، وحسن العلاقة مع مَن يداخلهم، واحترام الشعوب والبلدان، وتقدير أهل الفضل خصوصاً العلماء والدعاة والمصلحين. ومَن يعرفهم أدنى معرفة لا يشك في المكانة السامية التي يتبوأها العالِم والمتدين عندهم بغضّ النظر عن جنسه وبلده؛ بل يحترمون من تَزَيّا بسَمت العلماء وطلبة العلم وغيرهم؛ بل إن من الثمرات الإصلاحية العظيمة لدعوة الإمامين (الإمام محمد بن سعود، والإمام محمد بن عبدالوهاب رحمهما الله تعالى) استعادة العالم المصلح مكانته اللائقة من التقدير والاحترام، بعد ما كاد المبتدعة يحتكرون التوقير لمشايخ الطرق والدجاجلة والمشعوذين".
 
وفي الوقفة الأخيرة قال "الطيار": ما يحصل من تصرفات شاذة، وما يُتفوه به من ألفاظ حادة تُرمى جزافاً من غير أن يُحسب لها حساب، وتُلاكُ من غير أن يُلقى لها بال؛ مما يطير في الآفاق بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، ويكون التأذي به مضاعفاً أثره، شديداً وقعه، تلفح البريء ناره اللاذعة، وتنهشه أفاعيه اللاسعة؛ كل هذا لا يمثل السواد الأعظم من هذا الشعب المبارك الكريم شعب المملكة العربية السعودية، ولن تتأثر نصاعة صورته المرسومة في أذهان الأوفياء بمداد التقدير والاحترام المحاطة بهالة الحب والإكرام، لن تتأثر بكلمة فجة كل من سمعها امتعض منها وتبرأ من معرتها، ومهما ارتفعت ملوحة قطرات الجفاء واشتد كدر غثاء الاستخفاف مما ينضح به ويرميه الجفاة؛ فلن تتكدر ينابيع الإحسان المتدفق على أيدي هذا الشعب المبارك، الفياض على العالم من كل حدب وصوب، يتدفق من أيديهم زلاله، ويفيض من أكفهم عبابه، تشكلت أنواعه، وتنوعت أصنافه، وإنهم في هذا لكما قال الشاعر: 
قوم سماحتهم غيث، ونجدتهم... غوث، وآراؤهم في الخطب شهبان
صانوا النفوس عن الفحشاء وابتذلوا... منهن في سبل العلياء ما صانوا
المنعمون وما منّوا على أحد... يوماً بنعمى، ولو منّوا لما مانوا
 
وأخيراً وليس آخراً: الفوارق في المال والجاه والحسب والنسب والجنس والوطن ونحوها ليست عيباً؛ بل العيب أيها العائب التطاول على شرع الله جل وعلا، العيب أيها العائب التعدي على أحكام الشرع المطهر، العيب أيها العائب التفريط بأوامر الكتاب والسنة، العيب أيها العائب التنكب للوطن واتهامه، والتلون للمجتمع وقذفه، العيب أيها العائب التنقص من الخْلق، وازدراء البشر.
 
واختتم: "أيها المسلم، أيها المؤمن، أيها الشهم، يا صاحب المروءة: إياك ثم إياك أن تحتقر بشراً، أو أن تزدري أحداً لأي سبب كان؛ فقد يكون له خبيئة من عمل صالح وذلك إما صدقة خفية، أو صلاة في هزيع الليل، أو بر بوالدين، أو قلب نقي، وفؤاد تقي يرجح بك وبعملك كله، فيجلس لك في الثلث الآخر من الليل وقد نامت العيون، وغارت النجوم، يناجي في تلك الساعة الملك القيوم، فيدعو عليك".