تفسير قولة تعالى (ويا قوم اعملوا على مكانتكم)

إسلاميات

ويا قوم اعملوا على
ويا قوم اعملوا على مكانتكم


في القرآن الكريم نقرأ الآيات التالية:

قوله تعالى: {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون} (الأنعام:135). 

قوله عز وجل: {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون} (هود:121). 

قوله تبارك وتعالى: {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون * من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم} (الزمر:39-40). 

قوله سبحانه: {ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب} (هود:93). 

الآيات الثلاث الأُول خطاب من الله سبحانه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يأمر كفار قريش أن يعملوا على طريقتهم ونهجهم، ويفعلوا كل ما في وسعهم للوقوف في وجه الدعوة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما الآية الأخيرة فهي خطاب من نبي الله شعيب عليه السلام لقومه، آمراً إياهم أن يعملوا على طريقتهم ونهجهم، ويفعلوا كل ما في وسعهم للوقوف في وجه الدعوة التي جاءهم بها.

فالخطاب في هذه الآيات خطاب لقوم ينكرون رسالات السماء، ويقفون في وجه دعاة الحق؛ منعاً لهم من إبلاغ رسالة ربهم إلى التائهين في ظلمات الكفر والشرك، والغارقين في المعاصي والشهوات.

ثم إن جُلَّ المفسرين يذكرون أن المراد بقوله تعالى: {مكانتكم} أحد معنيين:

الأول: الطريقة والمنهج، قال الطبري: "وهذا قول صحيح، والمعنى على ناحيتكم التي اخترتموها، وتمكنت عندكم"، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: {اعملوا على مكانتكم}، يعني: على ناحيتكم، و(الناحية) هي الطريقة والمنهج. يقال منه: هو يعمل على مكانته، ومكينته. وعلى هذا يكون معنى الآية: قل لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم: اعملوا على طريقتكم ومنهجكم ما أنتم عاملون، فإني عامل ما أنا عامله مما أمرني به ربي، {فسوف تعلمون} عند نزول نقمة الله بكم، أينا كان المحق في عمله، والمصيب سبيل الرشاد، أنا أم أنتم. وقد قال ابن كثير في تقرير هذا المراد: "استمروا على طريقتكم وناحيتكم، إن كنتم تظنون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي".

المعنى الثاني: القدرة والاستطاعة، وعلى هذا يكون المعنى: اعملوا بغاية مكنتكم وقدرتكم وكل ما في وسعكم وطاقتكم من إيصال الشرور إلي، فإني أيضاً عامل بقدر ما آتاني الله تعالى من الوسع والقدرة، وسوف تعلمون عاقبة عملكم ومغبة ما قدمتم.

وصيغة الأمر في قوله سبحانه: {اعملوا على مكانتكم} ليست على حقيقتها؛ إذ ليس من المعقول أن يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بعمل ما هو مخالف لما جاءهم به، فالأمر هنا من باب التهديد والوعيد، كقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} (فصلت:40)، وكقوله عز وجل: {واستفزز من استطعت منهم} (الإسراء:64)، وكقوله سبحانه: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (الكهف:29)، قال الطبري: "وقوله تعالى ذكره لنبيه: قل لقومك: {يا قوم اعملوا على مكانتكم}، أمر منه له بوعيدهم وتهديدهم، لا إطلاق لهم في عمل ما أرادوا من معاصي الله". وأكد هذا المراد ابن كثير بقوله: "هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد".

ثم إن هذه الآيات الكريمة تفيد:

- أن دعوة الرسل وأتباعهم تواجَه دوماً بالمعترضين المكذبين، والصادين عن سبيل الله. 

- أن عاقبة المعرضين عن هدي السماء الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة. 

- أن أسلوب التهديد والوعيد للمعرضين عن دعوة الحق، قد يلجأ إليه الرسل والدعاة عندما لا تجدي مع المدعوين سبل النصح والإرشاد. 

- أن قول الرسل لأقوامهم: {اعملوا على مكانتكم} -وهي عبارة مفتاحية في هذا الآيات- إنما هو قول مَن وطد نفسه على اقتحام العقبة، ووثق بالله، وباع نفسه، وماله في سبيل إقامة دين الحق، ومواجهة الباطل وأهله. 

- أن العاقبة المحمودة التي يحمد صاحبها عليها، ومن له النصر في دار الإسلام، ومن له وراثة الأرض، ومن له الدار الآخرة إنما يكون لمن اتبع هدي المرسلين، وسلك سبيل المؤمنين. 

- أن المستقبل هو الذي يبين من هو على الحق ومن هو على الضلال، ولمن سيكون النصر والغلبة، ومن الذي يأتيه الخزي، ومن يشعر باحتقار نفسه وهوانها؛ ويعاني من الفضيحة أمام الخلق.

- أن المؤمن بالله حق الإيمان مطالب بالثبات على الإيمان، والاستمرار على الأعمال الصالحة، والمصابرة على المحن والشدائد حتى يأذن الله بالنصر والفرج.

- قوله تعالى فيما ذُكر من آيات: {إنا عاملون} معناه أن كل ما في قدرات العباد محدود؛ لأن قدراتهم ليست ذاتية، وإنما هي إمداد واستمداد من رب العالمين؛ أما فعل الله تعالى فهو غير محدود؛ لأنه سبحانه قديم أزلي لا تحده حدود، ولن يناقض عمل المحدَث الحادث عمل القديم الأزلي، فقوة العباد موهوبة لهم منه سبحانه، أما قوة الحق سبحانه فهي ذاتية فيه. ونحن نعلم أن أي عمل إنما يقاس بقوة فاعله، وخطأ المستقبلين لمنهج الله، أنهم إذا جاء عمل، نسوا مَن الذي عمل العمل، ولو كان العمل من فعل البشر لحُقَّ للإنسان أن يتكلم، لكن إذا ما كان العمل من الله تعالى، فعلى العبد أن يلزم حدوده.

- أن من شأن النبيين والدعاة والمصلحين حب الخير للناس؛ فنبي الله شعيب عليه السلام أحب الخير لقومه، وأراد لهم الإصلاح {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت} (هود:88). ولم يقل شعيب عليه السلام هذا القول عن ضعف، ولكن قاله رداً على قولهم: {وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك} (هود:91). وأبرز لهم مكانته المستمدة من قوة مَن أرسله سبحانه وتعالى، وقال: {اعملوا على مكانتكم إني عامل} فأوضح لهم أنه لن يقف مكتوف الأيدي؛ لأنه سيعمل بما يمليه عليه منهجه الداعي إليه، وسيبذل وسعه لتحقيق ما أرسله الله من أجله.

- كان عمل شعيب عليه السلام فيه صحة النية وعزيمة التوكل؛ لذلك أنجاه الله تعالى والذين آمنوا معه، فهو سبحانه لا يريد من عباده إلا التوجه بالنية الخالصة الصادقة إليه، فإذا توجه العبد بالنية الصادقة إلى الله، فالحق سبحانه يوفق العبد في سيره، ويعينه بالاطمئنان على أداء عمله. ومجرد الإيمان بالله تعالى والاتجاه إليه بصدق وإخلاص؛ يفتح أمام العبد آفاقاً من النجاح والرفعة...والمفتاح في يد العبد؛ لأن الحق سبحانه قد قال في الحديث القدسي: (وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) رواه مسلم؛ لذا قال شعيب مخاطباً قومه: {وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب} (هود:88).