منال لاشين تكتب: كيف تحصل مصر على 400 مليار جنيه فى 6 أشهر؟

مقالات الرأي



الإصلاح له طرق كثيرة

تحصيل الضرائب من الاقتصاد غير الرسمى والعفو الضريبى خطوات يجب أن تتخذها الحكومة فورًا

إخراج المليارات المخفية تحت «البلاطة» يتطلب الأخذ بتجربة الهند فى تغيير العملة


يحلو للبعض أن يردد جملة (أن وطنا تشتعل فيه نار الأسعار خير من وطن تشتعل فيه نار التدمير والتقسيم) وعلى الرغم من أن هذه الجملة تحمل الكثير والكثير من الابتزاز السياسى والعاطفى للمواطنين، وعلى الرغم من أن الربط بين ارتفاع الأسعار ومخاطر التقسيم غير منطقى رغم هذا وذاك فإن السؤال الأهم هل ارتفاع الأسعار هو الحل الوحيد أو بالأحرى هل الطريق للإصلاح الاقتصادى هو طريق واحد فقط، فلا أحد ضد إصلاح مصر اقتصاديا ولا يوجد أحد فى مصر لايتمنى أن تخرج مصر نهائيا من عثرتها وأزمتها الاقتصادية، ومن ناحية أخرى لا أحد ينكر أن الرئيس السيسى كان واضحا فى الولايتين الأولى والثانية فى منهجه فى الإصلاح وإصراره عليه، وبالمثل كان الرئيس واضحا فى رسالته للمواطنين بأن السنوات القادمة تحمل أعباء وتعبا للمواطنين، فالرئيس كان واضحا فى اختياره للإصلاح الاقتصادى،

وعلى الرغم من الغضب الذى انتاب الكثيرين من تكرار رفع أسعار السلع والخدمات خلال فترة قصيرة إلا أن رفع الأسعار هو عرض مجرد عرض للمرض أو للحالة أو الظاهرة، فالأصل هو الطريق الذى اخترناه للإصلاح الاقتصادى، سياستنا الاقتصادية التى تكرر تجارب دول أخرى ارتبطت بخيارات وقروض مع صندوق النقد من ناحية، وسياسة لا توزع أعباء الإصلاح على جميع الفئات من ناحية أخرى، سياسة اقتصادية صماء تفصل الاقتصاد عن السياسة، فلا تنحاز لفئة أو طبقة بل إنها تضرب الطبقة المتوسطة فى مقتل، سياسة لا تحقق التوازن بين الإصلاح الاقتصادى والإصلاح الاجتماعى.

مرة أخرى لست ضد الإصلاح الاقتصادى ولكننى ضد التركيز على الإصلاح الرقمى القائم على المؤشرات الاقتصادية فقط دون مراعاة لأثر هذا الإصلاح على المؤشرات الاجتماعية صحة المواطن والأطفال تحديدا، التأثير على إمكانية التعليم الجيد لأبناء الطبقة المتوسطة.

من ناحية أخرى ثمة تجاهل واضح لمصادر أخرى للإصلاح الاقتصادى بعيدا عن إلغاء أو تخفيض الدعم على السلع والخدمات وزيادة الأعباء على المواطنين خاصة الطبقة المتوسطة، وفى القلب إقرار الزيادات فى شهر رمضان وعيد الفطر دون مراعاة لعدم التنكيد على المصريين فى اشهر أعيادهم.

داخل الإصلاح الاقتصادى فشلنا تماما فى الإصلاح الضريبى الشامل والذى كان ممكنا أن يوفر لمصر أكثر من 400 مليار جنيه، إخضاع النشاط غير الرسمى للضرائب يوفر لمصر نحو 250 إلى 300 مليار جنيه، وذلك بحسب تصريح لرئيس مصلحة الضرائب السابق، والاقتصاد غير الرسمى يشمل ملايين المواطنين فى مهن مختلفة لا يدفعون ضريبة وملايين المهنيين من أطباء ومحامين ومهندسين لا يدفعون ضريبة.

كان يمكن أن نعلن عفوا ضريبيا يشمل هؤلاء ويشمل أيضا المتأخرات الضريبية البالغة 65 مليار جنيه، والعفو الضريبى طبق فى هولندا وإيطاليا ودول عديدة مرت بظروف مشابهة بظروفنا، وخلال العفو تمنح الدولة كل المواطنين المتهربين من الضرائب أو المتأخرين عن دفعها مهلة زمنية يدفعون خلالها نصف قيمة الضرائب المستحقة عليه مقابل العفو القانونى، فكرة العفو توفر لمصر فورا من القطاع غير الرسمى 125 مليار جنيه، ومن المتأخرات الضريبية نحو 32 مليار جنيه، ولاشك أن مثل هذا المبلغ كان يمكن أن يمنح الحكومة فرصة إلغاء الدعم على عدد أكبر من السنوات ومن ثم معاناة أقل للمواطنين وللطبقة المتوسطة، وبالمثل كان يمكن أن يوفر للحكومة أن تختار كل عام مالى وكل موازنة عددا محدودا من الخدمات لزيادة اسعارها، وذلك بدلا من الرفع الجماعى لأسعار السلع والخدمات الحكومية الذى يمثل جبلا من الأعباء على كاهل المواطنين.

وفى اطار الإصلاح الضريبى كان يمكن أن نرفع الضرائب على الأغنياء والاثرياء ليعود الحد الأقصى لضريبة الدخل إلى 40% لأعلى شريحة، وكان هذا الحل يوفر أيضا مليارات للحكومة بعيدا عن الطبقة المتوسطة والفقراء عموما.

وبالمثل كان يمكن إقرار ضريبة البورصة أو ضريبة المعاملات الرأسمالية خاصة أن البورصة هى أكثر المستفيدين من التعويم، وإقرار ضريبة البورصة يحقق العدالة الاجتماعية من ناحية ويحقق عائدا بالمليارات من الجنيهات للدولة من ناحية أخرى.

ثمة إجراءات أخرى محددة بوقت يمكن أن توفر للحكومة المليارات من الجنيهات بعيدا عن كل من الطبقة المتوسطة أو الفقراء، فبعد ثورة 25 يناير اقترح عدد من الخبراء فرض ضريبة على الثروة لمدة ثلاث أو أربع سنوات لمساندة الاقتصاد المصرى ومساندة مصر فى أزمتها الاقتصادية، وعاد الاقتراح للظهور مرة أخرى بعد ثورة 30 يونيو، وضريبة الثروة ليست بدعة أو اختراعا جديدا فهى مطبقة فى عدد من أهم الدول مثل فرنسا، ولاشك أن تطبيق هذه الضريبة لمدة ثلاث أو أربع سنوات هو قمة العدالة الاجتماعية من ناحية ومصدر للعشرات من مليارات الجنيهات من ناحية أخرى.

مثل هذه الاقتراحات قادرة على توفير نحو 400 مليار جنيه فى ستة أشهر لخفض عجز الموازنة دون اللجوء للأعباء الغير مقبولة عىلى الطبقة المتوسطة.

نأتى إلى أكثر الاقتراحات أو التجارب جرأة والذى جربته الهند، فمصر بها ثروات هائلة ومليارات لا تعد ولا تحصى، وفى ذلك اتفق تماما مع فكرة الرئيس السيسى أن مصر بها أموال كثيرة، ولكن الإجراءات الحالية لا تمس أصحاب هذه الثروات المخفية، وقد لجأت الهند إلى إجراء لمرة واحدة، وهو تغيير عملتها، فأجبر الجميع على إخراج الأموال من تحت البلاطة، وأمرت الحكومة الهندية بفتح حساب لكل مواطن لوضع أمواله فيه، ولكل مواطن الحق فى سحب أمواله فى أى وقت، ولم تسأل الهند أو تحقق من أصحاب هذه الثروات لمن تطبق عليهم قانون، من أين لك هذا، ولكنها حصّلت حق الدولة من الضرائب على كل هذه الثروات.

بالطبع هناك عشرات الأفكار أو بالأحرى التجارب للإصلاحين الضريبى والاقتصادى لإخراج أموال تحت البلاطة على رأسها طرح مشروعات استثمارية على المواطنين مثلما حدث فى طرح شهادات قناة السويس، ويمكن لطرح مشروعات بديلة أن يوفر للدولة تمويلا للمشروعات من ناحية وتشغيل الأموال أو الثروات المعطلة من ناحية أخرى، وهذه مهمة وزارتى الاستثمار والمالية.

هناك أفكار كثيرة لأن الإصلاح ليس طريقا واحدا فقط نجبر على السير فيه، الإصلاح الحقيقى له طرق متعددة، طرق تحفظ للمواطن حقه فى الحياة الكريمة دون ضغوط عنيفة.