عادل حمودة يكتب: رئيس حكومة بريطانيا الجديد طُرد من الصحافة والوزارة بسبب الكذب والفبركة

مقالات الرأي



فاز بقصيدة تصف العلاقة الجنسية بين أردوجان وعنزة

أصوله تركية وجده قتل وهو وزير داخلية على يد أنصار أتاتورك بعد أن أصدر مذكرة باعتقاله

دعا إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى بعد أن وصفه بالنازية على طريقة هتلر

وعد جونسون بإعادة بريطانيا إلى سابق استقلالها ولكن لا أحد يثق فى قدرته على ذلك


«ألف جنيه إسترلينى جائزة لمن يسخر من رجب طيب أردوجان فى قصيدة توجعه وتضحك أوروبا».

ظهر ذلك الإعلان فى مجلة سبكتاتور البريطانية عام 2016 حين بدأت تصرفات وتصريحات الرئيس التركى تثير استياء الشعوب والحكومات الأوروبية.

وتحول الاستياء إلى غضب عندما حاكمت ألمانيا شاعرا هولنديا ألقى قصيدة هجاء فى أردوجان على شاشة إحدى قنواتها التليفزيونية بقانون غير دستورى يعاقب من يهين رئيس دولة أجنبية بما يؤثر على المصالح العليا للبلاد.

لكن بريطانيا الأكثر حرية لم تخش مثل هذه العقوبة وحرضت الحكومة مواطنيها على الاشتراك فى تلك المسابقة الغريبة بكل ما يملكون من استهزاء وتجريح وتشهير.

كانت القصيدة الفائزة تتحدث عن هوى أردوجان جنسيا بعنزة لا يقدر على الاستغناء عنها:

كان هناك صديق من أنقرة

هائما متسكعا مطلقا العنان لشهوات الشباب الجامحة

وساعدته عنزة فى تلبيه رغباته

فلم يكف عن شكرها منذ ذلك الحين.

المفاجأة أن الفائز فى المسابقة كان عمدة لندن بوريس جونسون الذى سبق أن نشر القصيدة فى المجلة السويسرية دى فيلت فوخ أو أسبوع العالم.

بالتأكيد كانت هناك قصائد أفضل حسب ما ذكر منظم المسابقة دوجلاس موراى ولكن كان رائعا أن يكسب زعيم سياسى بريطانى الجائزة ليثبت أن بلاده لن تنحنى أمام الخليفة الواهم فى أنقرة.

وانزعج جونسون من استعداد أوروبا لقبول تركيا فى اتحادها فكل ما تملك تركيا من أرض أوروبية لا يزيد عن حجم البواسير التى تصيب الإنسان من شدة الإمساك.

المفاجأة الأكبر أن بوريس جونسون الذى كلف بتشكيل الحكومة البريطانية بعد استقالة تيريزماى التى نالت لقب الأسوأ من أصول تركية وأن والده ستانلى حفيد على كمال بك الذى تولى وزارة الداخلية لمدة ثلاثة شهور فى المرحلة الأخيرة من حرب الاستقلال فى تركيا وأصدر وقتها مذكرة اعتقال لمصطفى كمال أتاتورك ولكنه اختطف من محل حلاقة داخل فندق توكاتليان فى إسطنبول يوم 6 نوفمبر عام 1922 واعتدت عليه مجموعة من أنصار أتاتورك وحطموا رأسه بالهراوات ورجموه بالحجارة حتى الموت ووضعوا رسالة على صدره كتب عليها من باب الإهانة اسما وهميا أرمينيا: أرتين كمال.

قبل سنوات من مصرعه احترف على كمال الصحافة وعندما سافر إلى لندن لتغطية أحداث سياسية هناك تعرف على فتاة بريطانية من أصول سويسرية هى وينفيريد برون وأحبها من النظرة الأولى وكتب فيها شعرا جعلها تقبل بالزواج به ولكنها توفيت فى عام 1909 عقب ولادتها ابنهما الأصغر عثمان الذى ربته جدته لأمه مارجريت جونسون مع شقيقته الكبرى سلمى.

فى عام 1912 تزوج على كمال من سيدة تركية فى بلاده ورزق بطفل ثالث هو زكى اهتم برعايته تاركا رعاية سلمى وعثمان لجدتهما فى لندن وعندما اشتعلت الحرب العالمية الأولى وأصبحت بريطانيا فى مواجهة تركيا حولت الجدة لقب كمال إلى لقب عائلتها: جونسون.

والحقيقة أنه لولا تلك الحرب لما تغير لقب رئيس الحكومة البريطانية الجديد ولظل اسمه بوريس كمال.

ولكن تغير اللقب لا يغير من الجينات الإسلامية (التركية) والمسيحية (البريطانية والأمريكية) واليهودية (الروسية) التى جمعها من تلك الخلطة الدينية والجنسية التى تكاد تكون فريدة من نوعها وإن كانت سببا مباشرا لاختياره رئيسا لبلدية لندن حيث بدأت شهرته.

ووصف بوريس جونسون تنوع جذوره المزيج من مسلمين ومسيحيين ويهود بأنه: بوتقة تنصهر فى رجل واحد.

كانت شارلوت فاوست والدته فنانة من عائلة مثقفين ليبراليين تمتد أصولها إلى مهاجر روسى يهودى هو إلياس أفيرى لوى عمل مصورا فى الولايات المتحدة أما أمها فعملت مترجمة لحاخام أرثوذكسى هناك.

تزوجت شارلوت من ستانلى جونسون وهو سياسى محافظ وكاتب اكتسب شهرته من المشاركة فى البرامج التليفزيونية وأنجبا بوريس فى نيويورك عام 1964 ولكنهما عادا إلى بريطانيا ليستقرا فيها وهكذا فإن رئيس حكومة صاحبة الجلالة الأخير يحمل الجنسيتين الأمريكية والبريطانية فى سابقة فريدة أيضا من نوعها.

درست شارلوت فى جامعة أكسفورد وعاشت مع ابنها هناك وبعد عام من ولادته جاءت شقيقته راشيل وبعدها انتقلت العائلة إلى لندن ومنها إلى واشنطن حيث انضم ستانلى إلى البنك الدولى وهناك أنجبا ابنهما الثالث ليو.

ومن جديد عادت العائلة إلى بريطانيا وسكنت غربها فى وينسفورد (إكسفورد) وهناك تعلم بوريس صيد الثعالب قبل أن يدرس الآداب فى أيتون كوليج.

مثل جده ووالده احترف جونسون الصحافة وبدأ مشواره المهنى فى ديلى تليجراف وانتقل منها إلى التايمز ولكنه فصل منها بسبب فبركته للتصريحات التى ينسبها لكبار المسئولين.

على أنه كان قد حقق شهرة مناسبة فتحت له باب العمل السياسى لينتخب نائبا فى مجلس العموم عن حزب المحافظين عام 2001.

بعد ثلاث سنوات اختير وزير الدولة المكلف بالفنون لكنه أجبر على الاستقالة عندما كشفت علاقته الغرامية مع بترونيلا وايت وإن عاد عام 2005 إلى الحكومة فى منصب وزير الدولة المكلف بالتعليم.

لم يكف جونسون عن الكذب فأقيل من منصب المتحدث الرسمى للحزب ولكنه ظل يؤمن بأن الكذب سمة من سمات السياسيين والسياسى الذى ينكشف كذبه أفضل من السياسى البارع فى إخفاء كذبه.

ودلل على ذلك فى كتابه الذى نشره عن ونستون تشرشل.

وأسوأ من الكذب سخريته الجارحة التى شبه بها المنتقبات بصناديق البريد ووصف هيلارى كلينتون بممرضة سادية فى مصحة للأمراض العقلية وبرر كراهية أوباما لبريطانيا بسبب احتلالها لكينيا التى جاء منها والده.

ولكن الأهم اعتباره الاتحاد الأوروبى مثل مشروع زعيم النازية أودلف هتلر الذى حاول إنشاء دولة أوروبية موحدة.

وكانت تلك العبارة وراء حملته الشرسة لإخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى بل إنه استقال من منصب وزير الخارجية فى حكومة تيريزا ماى احتجاجا على سياستها المائعة فى ذلك الملف.

ووعد جونسون بإعادة بريطانيا إلى سابق استقلالها ولكن لا أحد يثق فى قدرته على ذلك فكل ما فعل وهو عمدة لندن أن منع الخمر فى المواصلات العامة وشجع الرجال والنساء على استعمال الدراجة فى الذهاب إلى أعمالهم وبدأ بنفسه.

على أنه لم يخف إعجابه بالرئيس الأمريكى ترامب لأنه يخفف القواعد ويخفض الضرائب ويوظف سياسة بلاده فى الحصول على ما يشاء من مليارات دون أن يعبأ بوصف مبتز الذى أطلقه عليه خصومه.

ولكن التحدى الأكبر لجونسون هو قدرته على ضبط لسانه المنفلت فهو لم يتخلص من سخريته فى كل المناصب التى تولاها وفقدها بسبب تجاوزاته اللفظية ومن الصعب بعد أن وصل إلى شيخوخته أن يغير طبيعته.

إن كثيرا من المراقبين والمواطنين فى بلاده يتنبأون بأن تكون نهاية بريطانيا على يديه وأظن أن النبوءة يمكن أن تتحقق فنحن أمام مهرج فى سيرك أكثر منه رئيس حكومة ولو مثل تيريزا ماى التى توصف بأنها الأسوأ فى حكم بلادها.