نافذة مُشرعة على السير والملاحم.. "خيري شلبي" سَكن الحكاية فأحبه الصعاليك والمهمشون

تقارير وحوارات

بوابة الفجر


"ما أنا إلا حكواتي سريح، شرير ومجنون، ولو كنت عاقل ماكنتش هبقى خيري شلبي، أنا ابن الخيال الشعبي والسير والملاحم والفلكلور، مولع بالتفاصيل المحشودة في أبنية ذات شعب موصولة بالمسكوت عنه من الواقع الإنساني المؤلم والساحر في آن، فأنا ابن الفلكلور المصري الذي رسخ في وعي طفولتي المبكرة، إن لي أختًا تحت الأرض يجب أن أحنو عليها وأن أترك لها لقمة تقع من يدي، إن كل ما كتبته من قصص وروايات أنا في الواقع أغوص فيها على صعيد الوقائع الحياتية، وأكاد أزعم بالفعل أن كل ما كتبته من رواية أو حتى أقصوصة من نصف صفحة كان تجربة فنية نابعة من تجربة حياتية".

 

كلمات رسم بها خيري شلبي الذي رحل عن عالمنا في مثل هذا اليوم التاسع من سبتمبر عام 2011، لوحة تفصيلية عن نفسه بعبقريته المعهودة الممتزجة بريشة فنان مولع بالتفاصيل الدقيقة، ولغة شاعر عذب الكلمات صادق المعاني، وبها وضع لنا الخطوط العريضة التي يجب أن نلتزم بها عند الكتابة عنه، وعن ملامح شخصيته الفريدة كأنه يتحدث إلينا بلسان حال واحد من المهمشين والبسطاء الذين كان يكتب عنهم: "إذا رأيتم ضرورة في الكتابة عني بعد مماتي، فهاتيك ملامح شخصيتي، تستطيعوا أن تضيفوا إلى جوار تلك الكلمات، هكذا كان خيري شلبي ابنًا بارًّا للسير والملاحم والفلكلور والخيال النشط بغير حدود".

 

مندرة البيت هي المبتدأ والخبر

 

في المندرة التي كانت تتصدر بيته، تشكلت عقلية "خيري شلبي"، بدأ يعي مفردات العالم من حوله ويتعرف عليه ويتفاعل مع أحداثه، حيث كانت أشبه بصالون ثقافي يضم ذوي الرأي والمشورة من أهالي البلدة، ولا بأس ببعض أهل الله الذين كانوا يتوافدون عليها عسى أن تصيبهم كوب من الشاي الذي كان لا يكف عن الدوران بين الجالسين، والكل في تلك المندرة يدلي بدلوه في القضايا التي تطفح بها الساحة السياسية آنذاك.

 

 هذا النقاش كان يديره والد "خيري شلبي" بصفته صاحب المندرة ومما زاد أحقيته أيضًا تلك الخلفية القانونية والثقافية التي كان يتمتع بها، فقد كان على حد وصف خيري شلبي شاعرًا فحلًا وسياسيًا مرموقًا، وكان من مؤسسي حزب الوفد، كل هذا أضفى على شخصيته نوعًا من الهيبة والثقل بين أفراد قريته، كما أضافت لابنه الصغير الذي كان يجلس إلى جوار الباب يتنصت لحديث السادة، فإذا بتلك المعلومات تتراكم داخله ويزيدها الكبر والتجربة نضجًا ووضوحًا.

 

على حد وصفه فإن أوضح هاتيك الأيام هي أيام فترة التكوين، وأعلى ما فيها سحر النداهة عندما طلعت له من بين صفحات الكتب، حينها بدأ يتعرف على تلال الكتب ذات الورق الأصفر التي يفيض بها البيت، بداية من شباك المندرة المليء بكتب السير الشعبية، والتي كانت متاعًا لرواد المندرة من أصدقاء أبيه يتولى أحدهم القراءة بصوت عالٍ والكل يستمع إليه في شغف، كأن سحرًا جاذبًا يبث فيها الحماسة والبهجة والحيوية، مرورًا بالشباك الغائص في الحائط والذي يحوي كتب والده من الشوقيات ودواوين المتنبي وابن الفارض وبعض الكتب في السياسة والقانون، بالإضافة إلى المكتبة السامقة التي كانت لابن عمه الحاصل على شهادة العالمية، حيث كانت تشغل حجرة بأكملها ملأى بالدواليب ذات الأبواب الزجاجية.

 

في عربات عمّال التراحيل والمهمشين

 

رغم المكانة التي تمتع بها والده، وعلى الرغم من جلسات المندرة التي كان يديرها كما لو كان رئيسًا لحزب الوفد وليس عضوًا فيه، إلا أن ذلك لم يغنِ عنه شيئًا، ولم يرفع عنه غائلة الفقر عندما أدار الزمن وجهه عنه، ولقي الصبي الصغير هو الآخر عواقب هذا الانقلاب الذي عصف بوالده، فوجد خيري نفسه بين عمال التراحيل الذين يجوبون الحقول والوسايا، يعملون من طلوع الشمس إلى غروبها منطلقًا من تلك القاعدة التي قالها يومًا في ثنايا صفحات ثلاثية "الأمالي": "كل شيء في الدنيا قد يتضح أنه عيب إلا الشغل عداه العيب وسافر، اشتغل تذوب في حنكك مرارة الملح وتجد نفسك في نهر الحياة مرتويًا بالعزة والكرامة والمهابة".

 

فكان يعمل في إجازته ويدخر ما يعمل به كي يصرف منه على نفسه أثناء الدراسة، ولم يتوقف عطاء الزمن الذي كشر عن أنيابه لوالده وبسطه لابنه، فطبعت تلك التجربة الشاقة على قلبه الغض لمسة من جمال ممتزج بعرقه المنسكب بين حقول الوسايا فانعكست على صفحات كتبه، وعن تلك التجربة يعلق: "ما إن التحقت بعمال التراحيل حتى بدأت بطولة أبي تتراجع أمام بطولات خارقة لرجال أشد منه بأسًا ونساء يتركن عيالهن في القرية ويسرحن في الحقول، وهكذا سيطرت عليّ شخصيات عمال التراحيل".

 

العفريت يهبّ من القمقم

 

بكثرة التردد على المندرة والغرفة المتاخمة لها التي تعج بصنوف الكتب، وإدمان السير والملاحم التي تملأ صفحات الورق الأصفر المهترئ، إضافة للخبرة الممتزجة بمعاناة عمال التراحيل، تكونت في عقليته الصغيرة حكاوي وأفكار رآها تصلح أفكار لقصص وروايات، وربما ظن وقتها أنها قد تضاهي الحكايات التي يكتبها المنفلوطي ويحيي حقي وتوفيق الحكيم، فطلعت عليه "النداهة" التي تستحثه على الكتابة كما لو كانت عفريتًا هبّ من قمقمه مصحوبًا بعاصفة من الدخان يطوع نفسه في خدمته، فسرعان ما استجاب الطفل لندائها، فانبثقت العشرات من العفاريت التي أتت هي الأخرى كي تكون رهن الإشارة، فكان في كل حكاية يحكيها ينتقل منها إلى غيرها مفعمًا بشعور من الشجاعة والإثارة.

 

وسرعان ما انتقلت تلك الرغبة الجامحة معه إلى "دمنهور" حين التحق بمدرسة إعداد المعلمين، فألح عليه عفريت الكتابة مججدًا فأذعن لرغبته، وأخذ يحاكي الكتاب الكبار الذين يقرأ عنهم، فطبع كتابه الأول بنقسه، وأخذ ينشره بين الطلاب والأساتذة حتى صار موضع اهتمامهم جميعًا.

 

وتد الحكاية

 

بنى "خيري شلبي" عالمه الخاص القائم على بساطة الحكاية المفعمة بالخيال الجامح في الأسطورة الشعبية، فاستطاع أن يقترب من الطبقات المسحوقة تحت نعال المجتمع، وأن يطفو بالصعاليك والأوباش إلى قمة الهرم الاجتماعي يرسم بقلمه عالمهم المليء بالحكايات، ويصول بقارئه ويجول داخل سراديب هذا العالم، عن أناس دربوا أنفسهم على لعبة الاستغناء التي يعتاد فيها الجسد بالقوة الجبرية على ألا يطلب شيئًا على الاطلاق، فروايته "وكالة عطية" التي عدوها ملحمة العشق والحرمان والألم كانت أشبه بالقصر المسحور مغلق الأبواب وحالك الظلمة، تدخله فلا تلبث أن تنجذب بقوة لا تقاوم إلى عالمه السفلي الذي يمور بخيرات الفقراء والنصابين والصعاليك والمظلومين، شخصيات لا ندري كيف تعيش على اختلافها تحت سقف واحد ردحًا غير صغير من الزمن، تسكن جنبًا إلى جنب في نسيج واحد لا يكاد خيط منه ينفصل عن الآخر.

الأسلوب الذي عمد إليه خيري شلبي، استطاع به أن يقيم داخل القارئ الجسور والسكك مفسحًا المجال أمام كلماته وعباراته التي سرعان ما تستحيل إلى شخوص حية، لأن كاتبها عندما أشاع فيها من روح قلمه لم يثقل كاهلها بالأدب العتيق الذي تخنقه العبارات الصعبة المعقدة والتي لا يستطيع إنقاذها فتكون كتابته في جسد ميت بلا روح، لذا أصبح للقرية حضور قوي في ذاكرة "شلبي" والتي تتماهى مع ذاكرة الزمن.

 

في كل عمل من أعماله عالم من البهجة والإثارة، هناك مدن مسحورة وأخرى واقعية، وحضور قوي لأناس لا حصر لهم من الصعاليك والأوباش والفلاحين، وفضاءات شاسعة تدور بها معارك طاحنة في دفقة متناغمة من المشاعر الإنسانية المتجددة، وهناك حكم وأمثال ممهورة بجاذبية الحكايات الشعبية، بها ينزاح الستر عن الحقائق المتخفية حتى تجعل زلزال الصدام لدى القارئ يوشك أن ينفجر، لكن سرعان ما يفرغك من مشاعر الخوف والاضطراب والقلق، كي تنخرط في تلك الحكايات مفتونًا بما فيها من عبقرية خالية من تكريس المثاليات والتضحيات والعذابات الزائفة.