«الإعلام والأزهر».. مواجهة شاملة للتخلص من ظاهرة الانتحار

تقارير وحوارات

الدكتور أحمد كريمة
الدكتور أحمد كريمة


عادت ظاهرة الانتحار من جديد في بعض المحافظات على مدار الفترة الماضية، كان آخرها عندما أقدمت طالبة في مدينة دمنهور بالبحيرة، على الانتحار لمرورها بحالة نفسية دفعتها للإقدام على تلك الخطوة، التي تعد جريمة وكبيرة من الكبائر حرمها الله سبحانه وتعالى.

«الفجر» تفتح هذا الملف من جديد، على الخبراء وأهل الشريعة الإسلامية، لمعرفة الأسباب والدوافع للانتحار، وكيفية التغلب والتخلص منها.

أسباب الانتحار
قال الدكتور أحمد كريمة، الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف: إن الانتحار هو إزهاق الانسان روحه وإنهاء حياته عمدًا بأي وسيلة من الوسائل، وجريمة كبرى تعد من الكبائر، حيث يقول الله سبحانه وتعالى: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة".

وأضاف، أن مقاصد الشرعية الإسلامية الضرورية الكبرى حفظ النفس، أي أن الإنسان يحافظ على حياته التي وهبها الله سبحانه وتعالى له، قال جل شأنه: إن السمع والبصر والفوائد كل اولئك كان عنه مسؤلا، والنبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربعة، عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه.. إلى أخر الحديث».

وتابع في تصريحاته إلى «الفجر»، أنه إذا ضعف الوازع الديني ووجدت عوامل متتعددة دفعت إنسانًا إلى التخلص من حياته فقد ارتكب إثمًا كبيرًا، مشيرًا إلى أنه بالنسبة لحالة لأهل السنة وهو مذهب الأزهر، هو مسلم عاصي فاسق ارتكب كبيرة من الكبائر أمرة إلى الخالق عز وجل، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، حيث يقول جل وعلا: "إن الله لا يغفر أن يُشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، وقد ذهب الفقهاء إلى أن المنتحر مع إثمه وعصيانه يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، أما ما وردت من أخبار وأثار في لا تخرجه عن الملة وتحمل على الوعيد والتهديد.

وأوضح، أن طرق العلاج للتخلص من هذه الظاهرة، هي التوعية الدينية السليمة في المؤسسات التعليمية ودور العبادة من مساجد وكنائس، وكذلك معالاجات ومداوات لأزمات مجتمعية مثل العادلة المجتمعية.

وقال: يجب على علماء التخصص تشخيص الداء ووصف الدواء المناسب، لافتًا إلى الانتحار له أسبابه التي تختلف من شخص لأخر، فقد تكون «عاطفية أواجتماعية أونفسية».

وأكد "كريمة"، أن نسب الانتحار في المجتمعات الإسلامية ليست لا ظاهرة ولا كارثة، لأن الأمة المسلمة قدرية تؤمن: «وكان أمر الله قدرًا مقدورا، وكان ذلك في الكتاب مسطورا».

جريمة يرفضها الإسلام
ومن جانبه، قال الدكتور محيي الدين عفيفي عميد كلية العلوم الإسلامية، أمين عام مجمع البحوث الإسلامية سابقًا: إن الانتحار جريمة كبرى جرمها الإسلام، لأنها إنتهاك للنفس البشرية حتى لو على المستوى الشخصي.
وأضاف أن النفس البشرية ليست ملك لصاحبها، وأن أي شخص لا يملك أن ينهي حياته بنفسه ويحتكر هذا الأمر، لأن إنهاء الحياة باختصاص المولى سبحانه وتعالي، لأنه هو الذي خلق الإنسان، وهو الذي منحه الحياة، وهو القادر على إنهاء هذه الحياة، من خلال تحديد الأجال والأسباب التي قدرها الله سبحانه وتعالى.

وأوضح في تصريحاته إلى «الفجر»، أن الإنسان عندما يقدم على جريمة الانتحار يعتبر مغتصبًا لحق الله سبحانه وتعالى في إختلاس النفس والروح البشرية، لذا توعد النبي صلى الله عليه وسلم من أقدم على هذه الجريمة النقراء ليحمي تلك النفس البشرية ويذكر الإنسان عن مجرد الرغبة عن تلك الأمر.

وقال: إن الإسلام قبل أن يذكر أو يجرم هذا الأمر فتح المجالات والسبل التي لا تؤدي بالإنسان إلى الانتحار، على سبيل المثال: «حينما يمر الإنسان بأي أزمة فإن الأمل في رحمة الله تعالى لا بد وأن يكون قويا، ولا بد أن يؤمن الإنسان بكل شئ في هذه الحياة لا يتم إلا بإرادة الله سبحانه وتعالى، وأن ما شاء الله كان وما لم يشئ لم يكن، وأن مع العسر يسرى إلى غير ذلك».

وتابع: عندما يصاب الإنسان بالمرض فإن الأمل يكون كبيرًا في رحمة الله سبحانه وتعالى، وعندما يمر بضائقة مالية يعلم أن الأرزاق بيد الله سبحانه وتعالى مستدلًا بقوله تعالى: «وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين»، لافتًا إلى أنه حينما يتعسر الإنسان في حياته لا بد وأن يدرك أن هذا التعسر ليس نهاية الحياة بل هو محاولة وسيعود أقوى وأشد عودًا في المشاهد.

وأوضح عفيفي، أن الشاهد في الإسلام يؤكد على الدعم النفسي والمعنوي والثقة فيما عند الله سبحانه وتعالى، وأن ما عند الله خيرًا للانسان، ولا يستعجل الإنسان الأقدار بل يكون واثق ما عند الله سبحانه وتعالى، وبالتالي حينما يستشعر الإنسان هذه الأداب وهذه الرؤية الإسلامية فإنه سيفكر كثيرًا قبل أن يقدم على هذه الجريمة، لأن الإسلام سلك مسلك الوقاية خير من العلاج، لافتًا إلى أن الإنسان قبل الدخول في هذه الدوامة لا بد وأن يستحضر أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الإنسان عبثًا ولن يخلق الإنسان للمشكلات، بل إن الله تكفل بكل احتياجات كل مخلوق على وجهة الأرض ولعلى من أعظم المخلوقات على الله سبحانه وتعالى على وجه الأرض هو الإنسان.

وردًا على سؤال «الفجر»، عن كيفية الوقاية والعلاج، أجاب عميد كلية العلوم الإسلامية، قائلًا: إن الأسرة المصرية لها دور رئيسي في التخلص من هذه الظاهرة، وللأسف الشديد الواقع التي وصلت إليه الأسرة أصبح في جزر منعزلة، خاصة في ظل وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك عدم تحمل الأب أو الأم المسؤولية، بالإضافة إلى تصور بعض الأباء أو الأمهات أن المسؤولية تنحصر في الاحتياجات المادية، مشيرًا إلى أن المسألة ليست مالًا فقط، ولكن مشاركة وجدانية ومتابعة سلوكيات الأبناء والسؤال عنهم، وللأسف الشديد نرى حالة تشتت موجودة داخل الكثير من الأسرة الآن.

وأوضح أن هذا الأمر لابد أن يزعج الأسرة المصرية، وبالتالي المحور الرئيسي في هذه المسألة هي الأسرة، ثم تأتي بعد ذلك المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والأعمال الدرامية والأعمال الفنية التي تدق جرس الإنذار، لأننا نعيش في خطر الآن، ليس على مستوى ظاهرة الانتحار فهناك ظاهرة الإدمان والإنخراط إلى الإرهاب والإلحاد، هناك أمراض إجتماعية خطيرة تحتاج إلى تضافر جهود المؤسسات المجتمعية واستعادة الدور المنوط للاسرة في مجتمعنا.

مخالفة للشرع
ويرى الدكتور غانم السعيد، عميد كلية الإعلام جامعة الأزهر، أن المنتحر قتل نفسه بغير وجه حق، واعتدى على سمعة الله سبحانه وتعالى، وليس لدية يقين وثقه في الله سبحانه وتعالى، وتعد مخالفة عظيمة للشرع، لأن المولى عز وجل أمرنا الحفاظ على النفس، فعندما يهدر الإنسان دمه ويقتل نفسه تكون عقوبته عند الله كبيرة وعظيمة، لكن نتركه بين أيدي ربه لينصف بحاله.

وأضاف في تصريحاته إلى «الفجر»: لا نأخذ الأمور بظواهرها لأن الحكم الشرعي واضح وصريح، لكن الأهم أننا ننظر في أبعاد القضية وظواهرها، خاصة عندما تتحول من حالات فردية إلى ظاهرة كما لاحظنا في الآونة الأخيرة، فلا بد أن المجتمع بكل طوائفه وطبقاته وعلمائه والمتخصصين من علم النفس والاجتماع ومعهم علماء الشرع، بالنظر في جذور هذه الظاهرة وأسبابها بكل شفافية ووضوح، لأن ظاهرة الانتحار المنتشرة في الفترة الأخيرة بين الشباب في جامعات متميزة ولهم شأن داخل المجتمع، والوقوف على من وراء انتحار هؤلاء الشباب، ومحاولة التغلب لأن الوضع أصبح خطير ويهدد المجتمع.

الإعلام ركيزة أساسية
يقول الدكتور أحمد زارع، المتحدث الإعلامي لجامعة الأزهر: إن هناك علماء لتوعية الشباب والأطفال من علماء الدين والاجتماع وعلم النفس، لأن الظاهرة بدأت تستفحل في الفترة الأخيرة.

وأوضح أن الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف أشار في تصريحاته الأخيرة الاهتمام بالعلاج النفسي للتخلص من انتشار ظاهرة الانتحار.

وأضاف في تصريحاته إلى «الفجر»، أن وسائل الإعلام في مصر ركيزة أساسية، من خلال التوعية للطلاب داخل المدارس والجامعات، لأن هناك بعض الأعمال الدرامية انتشرت في الفترة الأخيرة كانت تساعد في انتشار ظاهرة الانتحار، مشيرًا إلى التوعية تكون قوية جدًا وتركز على هذا الأمر.