عبدالحفيظ سعد يكتب: كيف يتعامل الصعايدة مع حظر كورونا؟

مقالات الرأي

Advertisements

الجلسات تستبدل بمجالس بالزراعات وعلى أطراف القرى متابعة أخبار انتشار الفيروس خاصة فى البلاد التى يوجد بها عمال من ذويهم

فى ليالى الصيف الساخنة، والتى تعقب نهار يصهر الحديد من شد الحر، كانت تسود أجواء رمضانية خاصة فى صعيد مصر، عندما يحل الشهر الكريم فى أيام الصيف.

فى تلك الأيام الصيفية الرمضانية، قبل أن يحل «كورونا»، تميزت فى أرياف صعيد مصر، احتفالات رمضانية خاصة، تختلف مظاهرها عن القاهرة أو المدن الكبرى، تبدأ شعائرها مع الانتهاء من صلوات التراويح، وصولا لأوقات السحور.

فى تلك الليالى كما هو معتاد فى غالبية القرى عامة وخاصة فى الصعيد، ترتب كل عائلة لأجواء السهرة الرمضانية الخاصة، لعادات ورثوها من جيل لجيل، تخلط ما بين الاحتفال الشعبى والدينى.

فى ديوان أو مجلس العائلة، تعقد سهرة قرآنية، يقودها أحد مقرئ القرية من حاملى القرآن، ويتجمع حوله رجال وشباب العائلة، وهو يتلو القرآن على ثلاثة أرباع كل ليلة، يتخللها حديث سامر، لذكريات الآباء والأجداد، وتمتد لأحوال الزراعة وأحوال المعيشة، يستمر الحديث وسط مناقشات وقفشات وذكريات مضحكة، كانت تمتد تلك المناقشات، خاصة فى السنوات الأخيرة إلى ما يدور من أحداث درامية، تتناولها المسلسلات الرمضانية، يقطع الحديث فجأة صوت مقرئ القرآن، يصمت الجميع أثناء التلاوة، ليعودوا للحديث مرة ثانية بمجرد أن ينتهى المقرئ.

بينما ينشغل الكبار بأحاديث السمر الصيفى، يحتشد الصبية، للهو الرمضانى، هناك من يلعب الكرة، فى الساحة التى يجمع فيها المحاصيل، والتى يطلق عليها «الجرن»، وبعد أن تخلو ساحة المحاصيل، تستغل كملعب للكرة.

هذا هو الحال بالنسبة للصبية، بينما الأطفال الأقل سنا يحشدون أنفسهم فرقاً مختلفة يؤدون ألعاباً صعيدية متنوعة، مثل لعبة «القالب»، وهى تشبه لحد ما لعبة «البولينج» لكن بإمكانيات صعيدية، حيث تعتمد اللعبة الصعيدية على «قالب طوب» يصوب نحوه كرة مصنوعة من الشراب وبداخلها حجر صغير، وتنقسم اللعبة لفريقين، وعندما تصيب كرة أحد الفريقين قالب الطوب وتسقطه على الأرض، يتعين على الفريق الآخر أن يقوم بمطاردة الفريق الأول، ويصيب أحد أعضاء، لتعطى له ضربة البداية. ولكن إذا تمكن أحد لاعبى الفريق الأول من الهروب، وأعاد نصب قالب الطوب مرة ثانية يعد فريقه فائزاً.

وهكذا تستمر اللعبة، ضمن ألعاب أخرى مثل «الاستغماية» التقليدية، ولكن تأخذ فى الصعيد شكلاً مختلفا، لأن فى أحيانا تمتد اللعبة فى الاختباء فى زراعات الذرة بين الأطفال الذين يلعبون، وقد يتخذ الأطفال ألعابا أخرى أكثر عنفا، ومطاردة بينهم.

ولطبيعة أرياف الصعيد المحافظ تقتصر على البنات لعبة «الحنجيلة»، بينما تنشغل النساء لمتابعة من خلف ستار أحاديث مجلس المسامرة فى السهرة الرجالية، مع إعداد المشروبات وبعض الحلوى لها حتى يحين مواعيد صناعات المخبوزات للعيد، والتى تتنوع ما بين «الفايش» والبسكويت، وقرص الرحمة، والتى تعد لزيارة القبور أيام العيد.

1- الصعيد فى زمن الكورونا

كانت تلك الأجواء تسيطر على الريف فى الصعيد، والتى لم أعشها منذ سنوات نتيجة البعد عن الصعيد لظروف العمل والسفر، وأتاحت لى الظروف الحالية وشبة هتوقف الحياة فى القاهرة نتيجة كورونا وإجراءات الحظر الصحى، السنوات العديدة التى مرت وتغير معها شكل الحياة واحتلت الدراما التليفزيونية النصيب الأكبر من الاهتمام عن المظاهر الرمضانية السابقة، لكن يضاف إليها الآن تغير لكن الوضع بعد كورونا والذى فرض تباعداً اجتماعياً خشية انتشار الفيروس فى الصعيد.

ولعل طبيعة المكان الريفى المتسعة، والتى تتيح فرصة أعلى للتباعد الاجتماعى، يفسر قلة انتشار كورونا فى الصعيد للآن، وكذلك طبيعة المناعة والتى تقلل نسبة الوفيات للحالات المصابة فى محافظات الصعيد، طبقا لما ذكرته وزيرة الصحة هالة زايد فى مارس الماضى.

2- الحظر فى الزراعات

لكن لا يمنع ذلك أن كورونا تغطى على الاهتمامات فى الصعيد مثل مليارات البشر حول العالم، وسط أجواء حظر، والذى يأخذ شكلا مختلفا فى الصعيد، فى إيقاع تفرضه طبيعة الحياة الريفية هناك، تفرض عليها نوعاً من العزلة الطبيعية بمجرد حلول المساء، ولا تحتاج لحظر.

لكن الحظر المسائى لا يعنى أن الحياة تتوقف، خاصة فى شهور الصيف، ومع موسم الحصاد، والذى تفرض حراة الشمس العمل بالليل خاصة مع صيام رمضان، يصعب معه أى عمل بالنهار، ولذلك تبدأ الحياة والعمل عقب إفطار المغرب، فلاحون يذهبون للعمل للحصاد أو «دراس» المحصول أو البدء فى زراعة الموسم الصيفى.

لكن أجواء رمضان التقليدية مع السهرات اختفت بينما يحتفظ الصبية والأطفال بلعبهم فى الشوارع، بينما يبقى المتنفس للرجال أن تتجمع مجموعة أقارب أو أصدقاء وسط الزراعات، على أطراف القرية، والتى يسهل فيها التباعد بين الجمع.

لكن كورونا وأخبار لا تختفى عن الجلسات الصعيدية، تتخلل الأخبار فى حديث سامر لكنه يختلف كثيراً عما يحدث فى العالم ومتابعة أخبار وتطورت انتشار الفيروس، خاصة أن أخبار كورونا تغطى على اهتمامات الصعايدة ليس داخل مصر فحسب، فهناك الآلاف من أبناء الصعيد من المسافرين فى الخارج خاصة فى دول الخليج، يجعل متابعة الصعايدة للإصابة كورونا يتعدى اهتمام بما يحدث فى مصر فقط، يمكن أن تتابع وأنت وبجوار أقاربك ما يحدث من تطورات كورونا فى قطر والسعودية والكويت، معلومات تفوق فى تفاصيلها لما تنقله وكالات الأنباء.

يقطع حديث السمر فى إحدى الليالى، خبراً يتحدث عن وجود إصابة جديدة فى إحدى القرى القريبة، يتحرك الجميع لجمع المعلومات والتقصى عن الإصابة وأين تعيش؟ وأين تحركت؟، فى عملية تقصى تفوق ما تقوم عملية تقصى المصابين من الجهات الرسمية عن المريض ومن خالطه؟ وأقاربه فى كل منطقة؟. ويأتى الاهتمام رغم عدم الخوف الكبير من كورونا، لكنه للحرص عن التباعد عن المنطقة التى يوجد بها المريض أو من خالطه، وذلك على الرغم عدم الالتزام بمقتضيات العزل الصحى، والذى يتم تجاوزه بالسلام بالأيدى، رغم الحرص على عدم التقبيل، وعدم التجمع فى حشود كبيرة، غير أن لا أحد يمكن أن يلتزم كثيرا بزيارة المرضى، أو حضور عزومات الأهل والأقارب.

بينما يتمكن الناس من متابعة حياتهم بشكل مستمر دون النظر للحظر الصحى، لطبيعة المكان الذى يفرض عليه العزلة، خاصة مع استمرار إغلاق المقاهى، والتى تستبدل بجلسات يكون مكان الخلاء فى الزراعات، والتى تسهل التباعد بينهم.