د. نصار عبدالله يكتب: مكرم الأستاذ «1»

مقالات الرأي

Advertisements

قرب نهاية عام 2008 اتصل بى الأستاذ عادل حمودة رئيس تحرير: «الفجر» طالبا منى أن أختار شخصية أرى أنها جديرة بالكتابة عنها لكى تكون من بين الشخصيات التى سوف تتناولها «الفجر» فى عدد رأس السنة، وقد فاجأت أسرة تحرير الفجر يومها بأن كتبت عن الأستاذ مكرم محمد أحمد.. ورغم انقضاء أكثر من عشرة أعوام حافلة بالأحداث والمواقف على نشر مقال: «مكرم: الأستاذ»،.. رغم ذلك فإن رأيى فى «مكرم الأستاذ» وفى «مكرم الإنسان» لم يتغير، بل إنه كان يزداد رسوخا يوما بعد يوم خاصة بعد تعرضى منذ ما يقرب من عامين لمحنة أليمة كنت سألقى فيها حتفى على الأرجح، إذا ما زج بى إلى الحبس الاحتياطى لمدة لا يعلم مداها إلا الله فى ظل عمرى المتقدم وظروفى الصحية البالغة التدهور، ولم ينقذنى من هذا المصير الأليم إلا تدخله الشخصى المباشر عندما كان رئيسا للمجلس الأعلى للإعلام،.. الآن وبعد انتهاء رئاسته للمجلس..رأيت أن أعيد نشر المقال الذى نشر فى «الفجر» فى عدد رأس سنة 2009 انتصافا للصحفى والكاتب الكبير، وتقديرا لمكانته الرفيعة، وعرفانا وامتنانا بالدور الذى لعبه بشرف وأمانة طوال شغله لموقعه كنقيب للصحفيين ثم كرئيس للمجلس الأعلى للإعلام مؤمن بحرية الإعلام ككل من ناحية، ومؤمن بحرية سائر الكتّاب والمبدعين الذين يتعاملون مع المنابر الإعلامية سواء كانوا من الإعلاميين أم من غير الإعلاميين من ناحية ثانية، ومؤمن بتقاليد المهنة الإعلامية وبالخطوط الإنسانية والأخلاقية التى ينبغى ألا يتخطاها المشتغلون بالمهنة، وكذلك الكتّاب الذين يكتبون من خارجها من ناحية ثالثة.

***

لو أننا سألنا أى متابع للشأن الصحفى فى مصر من هو الجدير حقا بوصف الأستاذ من بين سائر الصحفيين الذين عاصرهم جيلنا؟ لو سألنا مثل هذا المتابع سؤالا كهذا فإنه على الأرجح سوف يجيب بغير تردد: «محمد حسنين هيكل».. فإذا سألنا عن الاسم التالى بعد هيكل، فإن الآراء غالبا سوف تتباين ، ولكل رأى أسبابه وأسانيده.. بالنسبة لى شخصيا فإننى أستطيع أن أزعم، وبقدر كبير من الثقة أنه مكرم محمد أحمد، ولا أحد سواه!! هذا الزعم من جانبى أبنيه على أسانيد وأسباب كثيرة: أولها أن مكرم محمد أحمد كاتب واسع الثقافة إلى حد مذهل، وهى سمة آخذة فى التقلص بين الأجيال الجديدة من الكتاب!! وبوجه خاص رؤساء مجالس الإدارة ورؤساء التحرير الحاليين الذين لا نظلمهم كثيرا إذا قلنا إن بعضهم أنصاف أميين، (بل وربما كان من بينهم أميون خلص!).. أغلبهم تنطبق عليه عبارة الدكتور طه حسين التى قالها منذ نحو خمسين عاما فى وصف أحد رؤساء التحرير المشهورين المتفردين بالجهل إذ ذاك: «هذا شخص رضى عن جهله، ورضى جهله عنه!!».. أما الآن فقد أصبحت تلك النوعية موجودة فى كل مكان تقريبا، لا فارق فى ذلك بين تلك الصحافة المسماة بالحكومية أو المسماة بالحزبية المعارضة أو المستقلة!، وأما ثانى تلك الأسباب فيتمثل فى أن مكرم يمتلك بالإضافة إلى ثقافته الواسعة موهبة فريدة ونادرة فى التحليل عموما وفى التحليل السياسى خصوصا، وهو فى عرضه لأى موضوع يكشف دائما عن نظرة نافذة وناقدة يستطيع من خلالها أن يصل إلى لب الموضوع وجوهره، ويستبعد ما قد يحيط به من التفصيلات عديمة الدلالة أو المضللة، أما ثالث تلك الأسباب فهو إيمانه الشديد بأنه لا مستقبل لأية أمة تستبعد من حياتها منهج التفكير العلمى والعقلى وتحاول أن تبنى حاضرها ومستقبلها تأسيسا على تأويلات معينة للنصوص الدينية تخرج بالدين عن جوهره الذى ينبغى أن يكون، وهو صيانة الكرامة للإنسان الفرد وتحقيق العدالة والتقدم للمجتمع، وانطلاقا من تلك القناعة راح يتصدى بكل قوة وثبات لتلك التيارات التى كانت تسعى لشد المجتمع إلى الوراء والتى استخدمت وقودا لها مجموعة من الشباب المضللين الذين كانوا يتوهمون أنهم يدافعون عن صحيح الإسلام، وقد كانت تلك القناعة من جانب الأستاذ مكرم على وشك أن تكلفه حياته عندما تصدت له مجموعة من أولئك المغيبين المضللين وأطلقت عليه النار حينما كان متوجها كعادته إلى لقاء السهرة الأسبوعية التى كان يعقدها أسبوعيا مع مجموعة من المثقفين الأصدقاء.. بعدها ومن موقع إيمانه بأهمية الحوار العقلى لعب دورا مهمًا فى الحوار مع بعض السجناء السياسيين الإسلاميين وفى إقناعهم بمدى الخطأ الذى ارتكبوه فى حق مجتمعهم ووطنهم مما أسفر بعد ذلك عن قيامهم بصياغة ما عرف بوثيقة المراجعة التى هى وثيقة تاريخية بكل المعايير، أما رابع تلك الأسباب فيتمثل فى أنه نموذج نادر للصحفى الذى لم يبع قلمه قط ولم يتكسب من مهنته قط، وعلى مدى حياته المهنية بأكملها لم يقبل هدية أو دعوة واحدة مشبوهة وجهها إليه شخص من الأشخاص أو جهة من الجهات أيا ما كانت جنسيتها أو انتماءاتها، وعندما كان فى موقع المسئولية فى دار الهلال كان يحرص حرصا شديدا على عدم التساهل مع أى صحفى يجعل من نفسه أداة لخدمة ذلك المسئول أو ذلك الأمير أو هذا الوزير، أو يصدر منه ما يسىء بأى وجه من الوجوه إلى شرف مهنته كصحفى، وفى المقابل كان يقف بكل ما أوتى من قوة إلى جانب أى صحفى يواجه أى ضغط أو يتعرض لأية مشكلة أثناء أدائه لعمله، بل إنه كان يقف إلى جانب أى صحفى يتعرض لمشكلة ما حتى لو لم تكن لها صلة بعمله الصحفى، وللحديث بقية..