د. رشا سمير تكتب: ماركيز.. ابن كولومبيا الذى عاش ليروى قصته

مقالات الرأي



هل ترتبط سيرة الأوطان بالأقلام؟ أم أن الأوطان هى التى تحتضن الأقلام وتعطيهم مساحة البوح فتتشكل الروايات من بين أصابع المبدعين.. القاهرة ستظل أبدا هى قاهرة نجيب محفوظ.. وطنجة كما عرفناها هى أزقة محمد شكرى.. وأفغانستان ستبقى وطن عداء الطائرة الورقية خالد الحسينى.. ولبنان تاريخها تشكل من أحرف روايات ربيع جابر.

هكذا رصدت الأقلام حواديت الأوطان.. وهكذا ارتبطت المصائر وتشابكت الحكايات لتصنع عالما من الحروف والكلمات..

الموت والذكرى:

حين يأتى ذكر كولومبيا، يقفز إلى الأذهان اسمه وسيرته وأقواله..

غابرييل غارسيا ماركيز، ابن كولومبيا.. الذى أعلن فى إحدى حواراته الصحفية أنه يتمنى أن يكتب عن الموت من العمق، عالم ما بعد الحياة أو البرزخ كما عرفه القدماء المصريون..

وصف الموت قائلا: «إن الموت أكبر مصيدة على الإطلاق»..

طارده الموت فى صورة مرض شرس، كان يعلم أن نهايته معه حتمية، وفى المرة الأخيرة التى عاد فيها من المستشفى وجد الصحفيين يحيطون ببيته، فنهرهم قائلا: «اذهبوا»..

هل كان يكره أن يكون موته معلنا كما كان موت (سانتياغو نصار) فى قصته الشهيرة (موت معلن).. ربما.. فالأديب يعيش عالما ينسجه ويغازله ويحتضن أبطاله ويصنع من خلال قصصهم إسقاطات ربما عاشها وربما تمنى لو عاشها.. وربما كانت الذكرى المؤلمة هى التى تمنحه شجاعة الرحيل عنه.

فى شهر مارس ولد غابرييل ماركيز وبالتحديد فى 6 مارس عام 1927م فى منطقة الموز فى «أراكارتاكا» إحدى مدن كولومبيا الصغيرة، مدن المنطقة الحارة والمبعثرة بين البحر وتلال الرمل ولد ماركيز فى أسرة فقيرة وأشقاء يتزاحمون من أجل لقمة العيش، فلا مكان لقارئ ولا حتما لكاتب.

ماركيز كاتباً يسارياً صاحب رأى ومبدأ، أصبح صديقاً لفيدل كاسترو فى وقت مبكر جدا خلال الثورة الكوبية، وكان محبوبا بشدة فى كوبا، عاش هناك وزار كوبا مرات عديدة، كما أسس معهد السينما فى هافانا.

هاجر إلى أوروبا خلال منتصف خمسينيات القرن الماضى وذلك بعد أن كتب مقالًا أثار غضب الديكتاتور العسكرى غوستافو روخاس بينيلا، فقرر الهروب من قبضته، ثم راوده الحنين إلى الوطن من جديد، فعاد ماركيز فى نهاية المطاف إلى وطنه.

أعماله والعزلة:

له ٢٢ عملا أدبيا متميزا، أهمها (مائة عام من العزلة) وهى التى حصل بها على جائزة نوبل فى الآداب عام ١٩٨٢.

بالإضافة إلى أعمال أخرى متميزة مثل (الحب فى زمن الكوليرا) (قصة موت معلن) (خريف البطريرك) (الأم الكبيرة) (فى ساعة نحس) (ذاكرة غانياتى الحزينات).. وغيرها.

تبنى ماركيز بقلمه هوية جديدة للأدب أسماها النقاد (الواقعية السحرية).. كما أن له بصمة مختلفة وقاسم متكرر متميز فى أغلب أعماله، هو العزلة.. وهو الأمر الذى يتضح بشدة فى رواية مائة عام من العزلة، كما أنه جلى أيضا فى رواية الحب فى زمن الكوليرا؛ وقصة موت معلن، حيث تتمحور الفكرة عن وحدة الإنسان وعزلته، وعن عزلة الجنس البشرى بشكل عام، كتب كثيرا وتحدث كثيرا عن كون العزلة هى أكبر مشكلات العالم بأسره، كما أنه فى خطابه عندما استلم جائزة نوبل تحدّث عن أن الفكرة الأساسية وراء موضوع العزلة تتعلق بعض الشىء بالحالة الاجتماعية السائدة فى أمريكا اللاتينية، حيث يشعر سكان هذه القارة بعزلة من نوع خاص عن عالمهم، بل يشعرون بالغربة عن هذا العالم..

عاش ليروى:

عندما داهم المرض ماركيز قرر أن يكتب عن نفسه، قرر أن يروى قصته، ربما لأنه عاش ليرويها قبل أن يقضى عليه المرض.. وخرجت سيرته الذاتية إلى النور فى عنوان معبر هو (عشت لأروى).. تلك المذكرات التى رواها بقلمه تدور فى الفترة من الطفولة أو النشأة الأولى حتى حصوله على جائزة نوبل فى ثمانينات القرن الماضى.

صمم ماركيز منذ البداية على أن يكون كاتباً على الرغم من رغبة الأب فى أن يواصل دراسته الجامعية.. كتب عن طفولته وعن تأثير أمه على حياته، وارتباطه اللانهائى بها..

يبدو لنا من بين السطور أن ماركيز كان شابا منصاعا لقرارات أمه عبر واقعتين مهمتين، الأولى هى إصرار الأم على تعليم ماركيز العزف على آلة الإكورديون بدلا من آلة البيانو، وهى التى فشلت طيلة ست سنوات من تعلمها، على الرغم من اعتراض العمة المسنة العزباء لكون الإكورديون هو آلة الرعاع.

أما الواقعة الثانية فتدور حول مستقبل ماركيز حينما أكمل دراسته الثانوية والذى كان لأمه حق تقرير مصيره، إذ كان أبوه يطمح إلى دراسة ابنه اللغة الإنجليزية، فى حين رأت الأم أن هذه الكلية هى وكر للمسيحيين اللوثريين ولا يتخرج منها سوى القضاة والحكام المتجبرين..

معلقا على هذه الواقعة كتب ماركيز يقول: «إن أحد أخطاء حياتى ككاتب هو عدم تكلم الإنجليزية».

ثم تحقق الحُلم:

أول قصة قصيرة نُشرت لماركيز فى صحيفة واسعة الانتشار هى «الإسبكتادور» وهى التى تمثل المعارضة باتجاهها الليبرالى والذى أصبح فيما بعد أحد أعضاء هيئة تحريرها المهمين، وهذا هو دائما الحلم الجميل للكاتب حين يصل إلى قمة النجاح الذى كان يوما يراه بعيد المنال..

كتب فى سيرته الذاتية يصف واقعة عدم امتلاكه لخمسة سنتات لشراء الصحيفة حتى يقرأ ما كتب، وهو متشوق كأى شاب لامتلاك صحيفة كتب فيها أول سطوره، وقد كان ذلك هو الوجه القاسى للفقر.. يقول معلقا على تلك الواقعة:

«ولكننى لم أجد فى المقهى المجاورة أحداً من معارفى يمكنه أن يمنحنى قطعة نقد كصدقة لأشترى الصحيفة، عندما رجعت إلى الشارع كنت مستعداً للإقدام على أى شىء، وجدت رجلاً أرسلته العناية الإلهية، يترجل من سيارة تكسى وفى يده جريدة الاسبكتادور فطلبت منه، مواجهة، أن يهديها إلى.. هكذا استطعت قراءة قصتى الأولى مطبوعة، لقد كنت اكتشف فى كل سطر، القدرة الساحقة للكلمة المطبوعة».

ماكوندو:

ذات يوم، أطل الطفل غابرييل غارسيا ماركيز من نافذة قطار سريع يتنفث الدخان، فقرأ عند مدخل فى لافتة معدنية زرقاء كلمة مكتوبة بحرف بيضاء «ماكوندو»، فتوارت الكلمة فى مكان ما داخل ذاكرته وأبت أن ترحل..

حين نقرأ مذكرات ماركيز لابد أن نتذكر مدينة «ماكوندو» الاسطورية، هذه المدينة الساحلية، الغارقة فى أطراف كولومبيا المتسعة، نتذكرها لأنها القاسم المشترك فى جميع رواياته حتى عام 1967 ونتساءل ما هى ماكوندو؟

لقد استرعت هذه الكلمة اهتمام ماركيز منذ الرحلات الأولى مع جده ولكن لم ينتبه إلا بعد أن كبر إلى إيقاعها الشاعرى وطابعها السحرى، هى وهم وهى حقيقة، ماكوندو ليست مكاناً بقدر ما هى حالة فكرية، هكذا فسرها النقاد وهكذا حدثنا عنها ماركيز.

ولدت ماكوندو برواية «مائة عام من العزلة».. بل ظهرت قبل ذلك فى قصة «مونولوج إيزابيل وهى تشاهد المطر فى ماكوندو» عام 1955، كما ظهرت فى قصة «يوم بعد يوم السبت» عام 1954.. غير أن تلك الفكرة طاردته من جديد عندما راح، بصحبة أمه لويسا سانتياغا ماركيز، ليبيع بيت أجداده الذى عاش فيه سنواته الأولى.. فى هذه الرحلة التقى مجدداً بالعالم الذى كان الكتابة عنه، وفى كتابه «عشت لأروى» استحضر هذه الرحلة.

هكذا بقيت «ماكوندو» المكان غير الموجود على الخريطة هى القرية الأسطورية التى تدور فيها معظم أحداث العمل الأدبى للكاتب الكولومبى الشهير، مكان لم يسكنه بشر حقيقيون بل سكنه قراء عاشوا بين صفحات رواياته وعانقوا تلك الأماكن التى لم يروها سوى بعينيه.

فى مارس نحتفل بميلاد ماركيز وفى إبريل نتذكر رحيله..

مبدع متميز حمل هموم الوطن فوق ظهره.. كان الربيع ميلاده ورحيله.. وما بين هذا وذاك نتذكر كلماته وتتسلل إلينا أقواله.. يقول ماركيز:

«الحياة ليست ما يعيشه أحدنا، وإنما هى ما يتذكره، وكيف يتذكره ليرويه»..

«كانت أكبر انتصاراتى أنى جعلت الجميع ينسوننى»..

ربما صدقت يا سيدى حين كتبت عن الحياة.. ولكنك باق طالما بقيت الكلمة..