عبدالحفيظ سعد يكتب: ماء وهواء الصحافة

مقالات الرأي




يتجدد الحديث عن أزمة الصحافة المصرية مع انتخابات نقابة الصحفيين التى تختلف عن باقى الانتخابات التى شهدتها النقابة فى السابق مع انتشار وباء كورونا، والذى يمكن أن يؤثر بشكل كبير على نسبة الحضور فى الجمعية العمومية التى أجلت إلى 19 مارس الجارى، بعد عدم اكتمال النصاب فى الأسبوع الماضى.

لكن لا تعد قضية كورونا الأزمة الوحيدة فى انتخابات النقابة الحالية، بل ما تعيشه مهنة الصحافة والإعلام من أوضاع سيئة، لا يمكن أن تغفلها أى عين لمتابع أو لمراقب.

تأتى انتخابات النقابة هذا العام فى ظل تراجع مستمر فى توزيع الصحف بل وتأثيرها العام، مما يهدد مهنة الصحافة ليس المطبوعة فقط، بل الإلكترونية، وربما تصل لمهنة الإعلام سواء المطبوع أو المرئى ككل.

ومن هنا تأتى انتخابات النقابة، لتعيد طرح السؤال عن مستقبل الصحافة كمهنة ورسالة.. المهنة قد تهم المشتغلين بها، بينما الرسالة تعد حق المجتمع من حق أفراده أن تأتى لهم فرصة للتعبير عن رأيهم، ومعرفة المعلومات فيما يدور من حوله.

ومن هنا يمكن أن نتحدث عن دور الصحافة بتعدد صورها كمطبوعة أو إلكترونية أو حتى تليفزيونية أو إذاعية، فهى أداة من أدوات أى دولة حديثة، وتعد مقياسا لتطور هذه الدولة أو تراجعها، بل إنه من أحد مؤشرات تضعها معيارا لجذب الاستثمار العالمى.

ويضاف لذلك أن مهنة الإعلام ككل، إحدى الأدوات للدولة للتواصل مع المجتمع، لتقييم ما تتخذه من قرارات، وردود أفعال الناس عليها.

ولذلك يتعدى الاهتمام بأحوال مهنة الصحافة والإعلام، القائمين عليها، لأنها مهنة مجتمع، ويمكن من هذه النقطة جاءت فلسفة دستور 1971، باعتبار الصحافة سلطة رابعة، وأنها ليست سلطة ممنوحة للعاملين فيها، بل سلطة للرأى العام وللمجتمع.

ورغم تغيير دستور 71 عقب ثورة يناير، وتعديل المواد التى تتحدث عن الصحافة كسلطة رابعة، للرقابة بالنشر ونقل ما يدور فى المجتمع، وكذلك نقل توجهات الحكومة، لكن رغم ما أدخل من تعديلات لكنه لم يغفل دور الصحافة والإعلام بل أكدت عليه، ووضعت آليات للحفاظ عليه.

ولذلك لم تعد أزمة الصحافة والإعلام الحالية مسألة دساتير وقوانين بقدر التغييرات التى طرأت على فكرة صناعة الرأى العام ككل، مع وجود وسائل جديدة مثل السوشيال ميديا بأنواعها، والوسائط الجديدة فى التواصل، والتى كان لها تأثير كبير على صناعة الإعلام بشقيه المكتوب والمسموع.

وعلينا أن نعترف أن صناعة الرأى العام، وتوجيه المجتمع لم تعد مقصورة على الصحف أو وسائل الإعلام فقط، بل تلعب وسائل التواصل الاجتماعى الدور الأهم فيه، وهو ما أثر بشكل مهول على صناعة الإعلام ككل.

ويبقى السؤال هل يعنى ذلك انتهاء دور وسائل الإعلام والصحافة؟

بالتأكيد أضعفت الوسائط الحديثة من التواصل دور الإعلام التقليدى، ولم يعد القارئ أو المشاهد يتلقى المعلومات والأخبار من الصحف أو حتى المواقع الإلكترونية أو التليفزيونات فقط، بل غالبية ما يتم ترويجه من معلومات تأتى من وسائل التواصل الاجتماعى التى تحولت لغول.

لكن رغم قوة هذا الغول سريع وسهل الانتشار، لكنه مجرد ناقل للأخبار أو الشائعات، ولكنه لا يصنع المحتوى أو التأكد من المعلومات ونقل الحقيقة وتعميقها.

ولذلك نجد أنه رغم انتشار وسائل التواصل لكنها بدون مصداقية، ولن تحصل عليها إلا أن تكون موثقة من وسيلة إعلامية سواء صحافة أو تليفزيونا، تتحمل مسؤولية صدق الخبر.

وأعتقد أن من نقطة ضعف مواقع التواصل، بعدم مسؤوليتها فى المعلومات، هى نقطة قوة الصحافة، التى مازالت مصدر العمق للخبر أو تحليله، وهذا يعنى أن المهنة قد تضعف ولكنها لن تنتهى، وذلك مثل الكتاب، والذى لم يمنع حضور الصحف أو المواقع أو التليفزيونات.

لكن الصحافة كمهنة، إنها مثل النبات الذى لا يعيش بدون ماء وهواء. وماء وهواء الصحافة هو الحرية، وبدونها ستزبل المهنة، وربما تموت، ووقتها ستترك الساحة لوسائل أخرى لا أحد يتحكم فيها والخسارة هنا ليست لأصحاب المهن فقط، بل على الدولة والمجتمع، فى أنها ستفقد إحدى أهم الوسائل للتواصل مع الشعب، خاصة فى ظل التوحش التكنولوجى، والذى فى غالبيته لن يتم التحكم فيه بالمنع أو الحجب، مع تطور أدواته!