عبدالحفيظ سعد يكتب: ماذا تريد تركيا الأردوغانية؟

مقالات الرأي

Advertisements


على مدار الأيام الماضية لم ينقطع الحديث عن المصالحة المصرية التركية وذلك عبر رسائل الود غير التقليدية من أنقرة للقاهرة والصادرة من كبار المسئولين الأتراك، بداية من وزير الدفاع ووزير الخارجية، وصولا للرئيس التركى رجب أردوغان الذى خرج بنفسه ليتحدث عن ضرورة التقارب التركى المصرى.

تصريحات المسئولون الأتراك الأخيرة، لم تكن مفاجئة للمتابعين للأوضاع فى الشرق الأوسط وما يدور فى السياسة الدولية، رغم أن التودد من المسئولين الأتراك تجاه القاهرة، جاء عكس التصريحات والتصرفات التركية تجاه القاهرة منذ ثمانى سنوات، عقب سقوط حكم الإخوان والذى كان بمثابة الحلم التركى فى السيطرة غير المباشرة على مصر.

ولذلك منذ اللحظة الأولى لسقوط الإخوان، بدأت تركيا فى اتخاذ مواقف عدائية تجاه القاهرة، ولم تقتصر فقط على التصريحات العدائية الصادرة من المسئولين الأتراك بقيادة أردوغان ضد القاهرة.

بل جاءت التحركات التركية الخارجية التى اتخذت فى غالبها مواقف ضد المصالح المصرية وحدودها ومصالحها البحرية فى البحرين المتوسط والأحمر، وكذلك ليبيا بدعم ميلشيات التى تسيطر على طرابلس، وكذلك محاولة دق أسفين بين السودان ومصر، ومحاولة توتير العلاقة التاريخية بين البلدين، عبر إبرام أنقرة اتفاقيات مع نظام المخلوع بقيادة عمر البشير، التى استهدفت السيطرة على جزيرة «سواكن» الاستراتيجية فى البحر الأحمر.

ومن هنا لا يمكن أن نغفل أن التحركات التركية جاءت نتيجة تبعثر أوراقها فى البحر المتوسط بعد تهدئة الأوضاع فى ليبيا والتقارب بين الفرقاء الليبيين فى الشرق والغرب، وإمكانية الوصول إلى اتفاق، يوقف نيران الحرب المشتعلة، ويعيد الاستقرار إلى ليبيا، بتفكيك الميلشيات، وهى الورقة التى تستغلها تركيا لتزيد نفوذها فى ليبيا.

ونجد أن فى البحر الأحمر باتت فرص تركيا للتأثير فيه أقل، خاصة بعد سقوط نظام المخلوع عمر البشير، ووجود نظام وطنى انتقالى لا يرتبط بعقيدة أيدلوجية مثل البشير، بل يتحرك وفقا لمصالح السودان مع محيطه العربى والأفريقى.

ومن هنا لا يمكن أن نعزل التصريحات الإيجابية من جانب تركيا تجاه مصر عن التغيرات فى الأوضاع الإقليمية سواء فى ليبيا أو البحر الأحمر، يضاف لذلك تغييرات فى طريقة تعامل الإدارة الأمريكية بقيادة جو بايدن خاصة فى شرق المتوسط، ودعمها لتهدئة الأوضاع فى ليبيا.

ولكن هل النظام التركى بقيادة أردوغان يريد فعلا تهدئة الأوضاع وفتح صفحة جديدة مع مصر والدول العربية؟.. أما إنه تحرك تكتيكى يسعى للتهدئة فقط ومحاولة ترتيب أوراقه، وذلك كعادة أردوغان البراجماتية؟

فى الحقيقة نجد أن استراتيجية تركيا، وتعاملها مع الدول العربية، خاصة بعد ثورات الربيع العربى، وتغيير مراكز القوى سعت بشكل كبير لمحاولة استغلال حالة الضعف العربى، وبدأت تلعب نفس الدور الذى لعبته إيران فى المنطقة العربية بمحاولة خلق نفوذ لها.

ووصل الأمر إلى احتلال أراضى عربية بشكل مباشر مثلما يحدث فى سوريا وتجاوزها المستمر للحدود العراقية بحجة محاربة الأكراد ودخولها المباشر للأراضى الليبية.

ومن هنا نجد أن أطماع تركيا ومصالحها، هى سبب تحولها من حالة التعاون والعلاقات الودية مع جيرانها العرب، إلى نقطة المطامع ومحاولة بسط النفوذ.

ولذلك يترجم التغيير الجديد فى خطاب تركيا الإيجابى مع مصر والدول العربية، إلى مواقف على الأرض، تتمثل فى رفع يدها عن الأراضى السورية والعراقية، والسعى لدعم تهدئة الأوضاع فى ليبيا، وليس تدعيم الميلشيات المسلحة، على أن يسبق كل ذلك أن تغير تركيا من خططها فى التدخل فى البلاد العربية، والعودة للتعامل معها بمنطق المصالح والجوار التى تحكم العلاقة معها على مدار قرن من الزمن، والتخلى عن الأوهام الاستعمارية القديمة للفكرة العثمانية، التى لم تعد مقنعة حتى للشعب التركى، وهو الذى لفظها منذ قرن من الزمن.