د. نصار عبدالله يكتب: إيش تاخد من تفليسى؟؟

مقالات الرأي

Advertisements


فى آخر شهر مارس من عام 1804 كانت الخزينة المصرية مثلما هى الآن مثقلة تماما بالديون!، ولم يكن أمام الحاكم من سبيل لدفع رواتب الجنود (لم يكن يهم الحاكم فى المقام الأول سوى رواتب الجنود فهم القوة التى يعتمد عليها فى وجوده وبقائه على كرسى الحكم) لم يكن أمامه من سبيل سوى أن يفرض المزيد من الضرائب على الشعب المصرى الذى أصبح أغلبه الآن نتيجة لكثرة الضرائب مفلسا وجائعا، وهكذا ففى مثل هذه الأيام بالضبط منذ 217عاما خرجت الجماهير الغاضبة إلى القاهرة وهى تهتف: إيش تاخد تفليسى يا برديسى.. لم يكن البرديسى مصرى الأصل فمصر لم تعرف منذ العصر الفرعونى حكاما من أبنائها ولكنه كان مملوكا قوقازيا شأنه فى هذا شأن محمد على الذى كان ضابطا ألبانيا، وقد تحالف فى البداية مع البرديسى حتى يتمكن من خلال هذا الحلف أن يقضى على كل الشخصيات القوية الطامعة فى السلطة ثم يتخلص فى النهاية من آخر من يتبقى منهم، وهذا هو ما حدث بالفعل فقد تم التخلص بالقتل من طاهر باشا ثم من حسن الجزايرلى بالعزل ثم تولى البرديسى حكم مصر فى ظل أسوأ أوضاعها المالية مما أدى إلى عزله وتعيين خسرو باشا، وهنا تقرب محمد على من الشعب وتحالف مع علماء الأزهر الذين طالبوا الخليفة العثمانى بتعيين محمد على واليا عليهم لما كان يشيعه عن نفسه من أنه زاهد فى الحكم وأنه لا يرغب إلا فى تخليص المصريين من ظروفهم الصعبة، وقد استجاب الوالى لرغبة المصريين فأصبح محمد على واليا شبه منتخب من الشعب، لكنه سرعان ما أسفر عن وجهه الحقيقى وتحول إلى ديكتاتور، لكن الأمانة تقتضى أن نقول إنه كان ديكتاتورا واعيا ومستنيرا، استطاع أن يحول مصر إلى قوة صناعية ضخمة وأن ينشئ جيشا عصريا مكونا من المصريين أنفسهم لا من المماليك، وقد أصبح هذا الجيش هو الأقوى فى الشرق الأوسط بل إنه فاق فى قوته قوة جيش الدولة العثمانية التى يفترض أن مصر هى واحدة من ولاياتها، وبفضل ذلك الجيش أصبحت مصر من الناحية الواقعية دولة مستقلة حتى وإن كانت تتبع الدولة العثمانية من الناحية النظرية، بل إنها قد أصبحت من الناحية الاقتصادية منافسا قويا للدول الأوروبية الصناعية الكبرى تنتج أهم ما تنتجه تلك الدول من المنتجات وبخاصة الأنسجة بمختلف أنواعها، وقد كان هذا العامل بالذات هو ما دفع القوى الأوروبية الكبرى إلى التحالف لضرب الجيش المصرى وإرغام محمد على الاستسلام لإرادتها وتحجيم الجيش المصرى، والتخلى عن الصناعة المصرية الصاعدة لإخلاء السبيل أمام المنتجات الأوروبية، أما خسرو باشا الذى عزله المصريون فقد قامت الدولة العثمانية بتعيينه واليا على المورة ، ثم قائدا للبحرية العثمانية. بعد انقضاء سلطنة السلطان العثمانى محمود الثانى  وتولى السلطان عبدالمجيد الأول السلطنة العثمانية اختار خسرو محمد باشا صدرا أعظم (أى رئيسا للوزراء فى 25 ربيع الثانى 1255هـ الموافق 1839م واستمر فى منصبه حتى عام 1257هجرية الموافق عام 1841 حين كان محمد على نفسه قد مات كمدا وهو يرى الدولة الحديثة التى شيد أساسها وهى تتداعى بفعل التدخل الأوروبى الأجنبى، وحقا لم يكن محمد على مصريا بحكم المولد، ولكنه أصبح مصريا بحكم الانتماء والعشق إلى هذه البقعة من العالم التى أراد لها أن تكون قائدة للمنطقة بأسرها معتمدا فى ذلك على سواعد أبنائها، لا على قوى مجلوبة من الخارج، وقد نجح فى ذلك إلى حد كبير، وأهم من ذلك أنه نجح فى غرس هذا الحلم فى قلب واحد من أبنائه وهو القائد العسكرى الفذ إبراهيم باشا الذى ربما كان من الممكن أن يحاول إعادة أمجاد أبيه لولا وفاته المبكرة، ولم يقدر لأحلام محمد على باشا فى إقامة دولة حديثة أن تبزغ إلى الظهور إلا فى عصر إسماعيل الذى حاول أن يجعل مصر قطعة من أوروبا، لكن إسرافه فى الاقتراض وثقته غير المبررة فى قدرة مصر على رد هذه الديون نتيجة لارتفاع سعر القطن المصرى أثناء الحرب الأهلية الأمريكية التى حالت دون وصول القطن الأمريكى إلى أوروبا، هذه الثقة سرعان ما انتكست بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية، وأصبح إسماعيل عاجزا عن رد الديون التى اقترضها من البنوك الأوروبية وهو ما مهد الطريق للتدخل الأوروبى مرة أخرى الذى انتهى بكارثة الاحتلال البريطانى لمصر فى عام 1882.