عبدالحفيظ سعد يكتب: ضمير الشيوخ الميت

مقالات الرأي

Advertisements


مازالت صورة الرجل الستينى لا تفارق عينى، رغم مرور أكثر من ١٨ عامًا على المشهد، والذى دار فى ٢٠٠٣.

الرجل الستينى ذو العيون الخضراء والوجه المشرق، فقد ابنه والذى كان أحد عناصر الجماعة الإسلامية أثناء المواجهات فى أحداث الإرهاب فى تسعينيات القرن الماضى بمحافظة المنيا.

المشهد فى «جنينة» نقابة المحامين، جاء إليها الرجل الستينى، ليلتقى محامى ابنه الآخر المسجون على ذمة إحدى قضايا الإرهاب، لبحث إمكانية الإفراج عنه بعد أن أقرت قيادات الجماعة الإسلامية بتوبتها وتراجعها عن الأفكار التى نتج عنها حوادث العنف والإرهاب، خاصة فى صعيد مصر.

يتابع الرجل الستينى كلام المحامى (لمتخصص فى قضايا الجماعة الإسلامية)، عن المراجعات لقادة الجماعة الإسلامية وتخليهم التام عن العنف والإرهاب بعد أن ثبت شرعا ودينا أن أفكارهم المتشددة، ما هى إلا مس من عمل الشيطان.

غطت الدموع عيون الرجل الستينى، وهو يستمع من المحامى لما وصل إليه قادة الجماعة، بأن كل ما شجعوا عليه من أعمال إرهاب ضد الدولة والمجتمع كانت خطأ وإرهابًا.

أسند الرجل الستينى ظهره على الكرسى ونظر لأعلى وعيونه تملؤها الدموع، وهو يناجى السماء «دم ابنى بشير فى رقبتهم شيوخ الظلال، حسبى الله ونعم الوكيل، يتراجعوا عن أفكارهم بعد إيه بعد ما ضيعتوا ابنى وخربتوا بيتى حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم، يا كفرة».

لفت نظرى كلام الرجل، والذى حكى قصة ابنه والذى انضم للجماعة الإسلامية، وهو طالب بكلية طب جامعة أسيوط، لكن ترك دراسته وقادته أفكار الجماعة الإسلامية للاتجاه للعنف حتى لقى حتفه فى إحدى المواجهات».

تذكرت مشهد الأب الستينى المكلوم، والذى ضاع ابنه ومثله المئات هباءً نتيجة أفكار خاطئة من هؤلاء القادة، وذلك أثناء متابعة تبرؤ أحد شيوخ السلفية محمد حسين يعقوب أمام المحكمة عن أفكاره فى القضية المعروفة بـ«داعش إمبابة»، والتى أقر المتهمون فيها بأن أفكارهم الإرهابية ساقوها من خلال متابعتهم لشيوخ السلفية خاصة محمد حسان وحسين يعقوب، وهى الأفكار التى قادتهم لتلك النهاية البائسة بعد أن انخدعوا فى أفكار هؤلاء الشيوخ.

هناك مئات الآباء والأمهات، مثل الرجل الستينى، وذوى عناصر داعش فى إمبابة، ضاع أبناؤهم نتيجة تلك الأفكار والتى حملها من نطلق عليهم السلفية، هذه الأفكار كانت نبتة الشيطان التى زرعها هؤلاء فى أدمغة شباب غرر بهم زى الشيوخ ولحيتهم، وتوهموا أنهم رجال هداية ولكن كانوا أقرب للضلال والضياع.

هؤلاء الشيوخ، سحرت كلماتهم وأفكارهم مئات الآلاف من هؤلاء الشباب، الذين انساقوا إليها فى البداية كنوع من الالتزام الدينى، فتحول العديد منهم شيئا فشيئا ناحية الإرهاب والتطرف بعد أن مهدت أفكار شيوخ التشدد والغلو الطريق له بتكفير المجتمع، وصولا للخروج عليه واستباحوا دمه، اعتقادا منهم أنه «جهاد».

ضاع الشباب، وعيون ذويهم ملأتها الحسرة، بينما ازداد الشيوخ مالا وشهرة وسيارات فارهة ومساكن فاخرة وزوجات شابات، وعندما وجد أحدهم نفسه فى المواجهة تراجع عن أفكاره.

سيقول البعض وما ذنب شيوخ السلفية؟ فهم لم ينشئوا جماعات أو تنظيمات، لكن الكل يعلم والشيوخ أنفسهم يدركون أن أفكارهم كانت الطريق التى سولت لهؤلاء الشباب أن يتخذ التطرف طريقا، وهو ما يفتح أمامهم الغلو أكثر.

فمئات بل آلاف القصص لعناصر سلكت الإرهاب، كان طريقها الأول عبر بوابة شيوخ السلفية، والذين يزعمون أنهم لا يدعون للعنف، ولكن أفكارهم تمهد الطريق، فيبدأ الشاب سلفى، يبحث عن التدين والالتزام بانتمائه إلى من يطلق عليهم السلفية الدعوية أو العملية، ومن نفس الطريق يدخل منحى جديدًا، وهى السلفية الجهادية أو الحركية كما يطلق عليها، وعبر بوابة السلفية الجهادية ينضم الشاب إلى أحد التنظيمات الإرهابية سواء داعش أو القاعدة أو غيرها من التنظيمات.

نفس الطريق سلكه آلاف الشباب بعد أن غررت بهم أفكار وتوجهات شيوخ السلفية من يعقوب وحسان وأمثالهما طريق الإرهاب، الأمر ليس سرا، ويمكن أن نجده بسهولة فى مئات القضايا عن التنظيمات الإرهابية، من أقوال المتورطين فيها نجدهم سلكوا نفس الطريق.

لكن استمر هؤلاء الشيوخ على نفس المنهج يبثون أفكارًا ويخرجون إرهابيين، وظل ضميرهم ميتًا، فيضيع الشباب وتستمر لحيتهم فى التمدد، وشهرتهم فى الانتشار، لا يعبأون بألم أم ولا دموع أب، لا يكترسون لتشويه الدين أو لتحطيم وطن، لأن ضميرهم مات.