عبدالحفيظ سعد يكتب: الحرام الشرعى.. المحلل كارثة تضرب المجتمع.. والخطاب الدينى سلاح المتشددين

مقالات الرأي

Advertisements

الطلاق الشفهي

وتعكس الواقعتان الخلل فى استخدام الخطاب الدينى، لدى شريحة كبيرة من المجتمع والشيوخ، والتى يغريهم خطاب التشدد فى التعامل مع بعض التفاصيل الشرعية، دون فهم للواقع الذى نعيشه والقضايا المستحدثة، وهو ما يعكس قضية تجديد الخطاب الدينى، والتى فى لبها محاولة تجاوز بعض الأحكام الشرعية الشكلية والتى لا تتوافق مع العصر الحديث، ومحالة إخضاع تلك الأحكام للعقل، وأن الحكم يأخذ وقفا للواقع الذى نعيشه وليس بالظاهر.

وعلى سبيل المثال لم يفطن عقل الشيخ مقانص أن قاعدة اللبس الشرعى للرجل (من الصرة للركبة) والذى يستند إليه فى فتواه الغريبة بتحريم لعبة كمال الأجسام، يدور هنا حول منع إثارة المفاتن، أو التعرى للجسد ما يفقده خصوصيته، لكن الأمر هنا لا يمكن القياس عليه فى لعبة تقضى ممارستها إظهار الجسم لإبراز العضلات وليس الغرض منه التعرى، طالما أن الحاجة تقتضى به.

ونعود لقضية المحلل الشرعى والتى يعد انتشارها مرتبطا بقضية مازال محل جدل وهى قضية الطلاق الشفهى والتى أثارها رئيس الجمهورية شخصيا، بعد انتشار حالات الطلاق بشكل مخيف، وارتفعت وفقا لتقرير الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء إلى ما يزيد على ربع مليون حالة طلاق فى عام ٢٠٢٠ فقط، وهو ما يعكس أزمة تواجه المجتمع نتيجة تمزق ربع مليون أسرة سنويا، فى أحيانا كثيرة يكون الطلاق شفهيا نتج عن رد فعل سريع أو غير متعقل، وهو ما دعا للاتجاه أن الطلاق لا يقع إلا بالتوثيق حتى يعطى طرفى العلاقة فرصة للتفكير والتروى وبحث مستقبل الأسرة والأبناء.

لكن وقف أمام ذلك آراء متشددة من المؤسسة الدينية وعلى رأسها الأزهر، الذى تشدد فى أن الطلاق يقع حتى لو شفهياً، وهو ما يعكس التزمت والتشدد فى استخدام النصوص الصامتة، رغم أن الشرع أعطى إمكانية تطوعيها طالما أنها تمنع الضرر على المجتمع وتهديد كيان الأسر فيه.

ونجد أن نتيجة انتشار الطلاق الشفهى، والذى ينشأ عندما يقوم البعض بإلقاء يمين الطلاق على زوجاتهم شفهيا عدة مرات، مما يقع فى فخ حرمانية معاشرة الزوجات، وتصبح حياتهم مهددة بالدمار، ومن يلجأ البعض إلى محاولة للتحايل على الشرع والقانون حتى يتمكنوا من إعادة زوجاتهم مرة أخرى إليهم، فيجدون ضالتهم فى التحايل عبر «المحلل الشرعى»، وهى المهنة التى تنبأ بها فيلم «زوج تحت الطلب» والذى لعبه بطولته الفنان عادل إمام فى منتصف الثمانينيات فى القرن الماضى، والذى كان وقتها مجرد فانتازيا كوميدية اجتماعية فى أن يقوم موظف بسيط بدور المحلل الشرعى لرئيسه وأصدقائه من الأثرياء.

ولكن الفانتازيا التى تنبأ بها مؤلف الفيلم حلمى سالم ومخرجه عادل صادق، صارت واقعًا نعيشه حاليا لدرجة انتشار الإعلان عنها على مواقع التواصل وتحول تجارة للعاطلين، وفجوة نفسية بين الرجل وزوجته، نتيجة التشدد فى الرأى الدينى، بوقوع الطلاق الشفهى، دون البحث عن حلول تحافظ على الأسرة.

حاجة المجمتع لتجديد الخطاب

وفى الحقيقة نجد أن قضية التشدد فى التحريم والسعى للتشبث بالقواعد الدينية، يعكس الأزمة التى يتمرس خلفها آراء الشيوخ المتشددة فى عدم التحرك فى إيجاد صيغة لتجديد الخطاب الدينى، بما يسير نحو تحقيق مصالح المجتمع ومنع وقوعه فى فخ الفتن والتعصب.

ولعل إثارة مثل هذه القضايا المستحدثة مجتمعيا وقانونيا، يزيد من الحاجة لتحرك رجال الدين فى محاولة البحث عن صيغ أخرى للتعامل مع القضايا الدينة وفق لخطاب دينى يسعى لإيجاد حلول لأزمات المجتمع.

ولم يعد الأمر، كما يتوهم البعض مطلبا من القيادة السياسية بل إنه ضرورة ملحة تدفع للتحرك، خاصة أن مثل هذا القضايا يتوقع أن تزيد عاما بعد آخر نتيجة للعصر الذى نعيشه، والذى تتجدد أفكاره ومشاكله، فالقواعد التى استند إليها الفقهاء العظام قبل عدة قرون فى وضع أحكامهم، تتغير بتغير الزمن، وهو ما يحتاج إلى تحرك قبل أن يفوت الأوان ويقف الدين والمجتمع نفسه عن مواجهتها، طالما ظل متمرسًا وراء آراء فقهية متشددة، خاصة إذا كان ذلك لا يصطدم بثوابت الدين والعقيدة، التى وضعها الخالق فى الأساس لتسهيل حياة الناس بهدف الحفاظ على المجتمع وفى القلب منه الأسرة، نواته الأولى.