عادل حمودة يكتب: غرامة الأخطاء الطبية 300 جنيه!

مقالات الرأي

الكاتب الصحفي عادل
الكاتب الصحفي عادل حمودة


نجوم السينما والميديا يفتحون الملف من جديد

سمعت من طبيب شهير: "لو احتجت جراحة لا أجريها فى مصر هو أنا مجنون؟"

أوروبا تمتحن الأطباء كل خمس سنوات فى المعلومات الجديدة لتجديد تراخيصهم

الجمع بين تدريس الطب ومزاولته أدى إلى ضعف الطالب ومعاناة المريض


يبدو أن الدكتور «أسامة عبد الحى» يريد أن يموت المريض بسبب الخطأ أو الإهمال فى صمت بل ليحمد الله على أنه تخلص من شقاء الدنيا ومتاعبها.

وليس على أهله التعبير بالبكاء أو الغضب أو الشكوى وإنما عليهم حمل باقات من الزهور إلى الطبيب المخطئ بدلا من وضعها على قبر ابنهم.

يطالبنا الرجل الذى يشغل منصب «أمين عام نقابة الأطباء» أن نتبع هذا السلوك الراقى المؤدب الصامت المترفع حتى ننجو من مقصلته الحادة التى هوى بها على رقابنا حين وصف الحديث عن «الأخطاء الطبية» بأنه «هجمة شرسة وغير أخلاقية».

على المريض الذى خرج من حجرة الجراحة فاقد الوعى بسبب خطأ طبى ألا يتحدث عنه حتى لا يوصف بالشراسة بل ربما عليه أن يشكر الطبيب المخطئ على منحه فرصة للحياة فى غيبوبة بعيدا عن الصخب والثرثرة ومتابعة المسلسلات المملة.

ولو كان المريض أكثر حظا لتوفى قبل أن يعود إلى بيته فلن يكون عليه تحمل مسئولية المعيشة أو سداد ما عليه من ديون أو تحمل مسئولية أسرته.

إن ما صرح به «عبد الحى» يثير الدهشة والتعجب ولا نضيف وصفا يضايقه حفاظا على رؤيته العميقة فى حماية المجتمع الطبى حتى لو أدان الضحية وبرأ الجانى.

لا يهم أن نقتل القتيل ثم ندينه.

لا مانع أن نشجع القتلة على مزيد من العبث بأجساد أبرياء ساقهم حظهم العاثر إلى غرفة جراحة.

ولا تفسير لدى لما قاله النقابى البارز سوى أنه يريد أصوات جميع الأطباء لصالحه.. المهمل قبل البارع.. المتجاوز قبل الملتزم.. الكاره للحياة قبل المنتصر لها.

ولست أشك فى أن فى عائلته أو معارفه أو جيرانه أو زملائه من لم يتدهور صحيا بسبب إهمال الأطباء فكثير منا لم يسلموا منهم.

كان عمر ابنتى الصغرى لا يزيد على عامين عندما قرر طبيب العيون المعروف إجراء جراحة عاجلة لها.. لم تزد غرفة العمليات عن حجرة فى شقة تقع وسط القاهرة أثاثها كراكيب أو روبابيكيا.. بعد ساعة خرج الطبيب الشهير فى زمانه ليعلن ببساطة فشل الجراحة بسبب طبيب التخدير الذى أفلت العصب من يديه.. واحتاج علاج الخطأ سنوات من المعاناة النفسية لم يكن للطفلة ذنب فيها.

بعد سنوات جاء الدور على.. دخلت غرفة العمليات للتخلص من قرحة الإثنى عشر.. اخترت طبيبا شهيرا كان وقتها نقابيا بارزا.. لم أره منذ أفقت من البنج.. كان مشغولا طوال النهار فى عياداته ومستشفياته.. وفى الليل يخفف من توتره بجمع المال الذى يشترى به مزيدا من الأراضى الزراعية.. لم أجده بالطبع عندما تعرضت لانتكاسة بسبب تعليمات الطعام الخاطئة التى كتبها بنفسه وتسببت فى فتق جراحى مازلت أعانى منه.

لم تفلح الشكوى التى تقدمت بها إلى نقابة الأطباء فلا أحد طلب سماعى ولا أحد استدعى الطبيب لسؤاله ولو من باب السخرية عن حجم ثروته الزراعية أو عن جنسيته الكروية أو هل البوكر حرام أم حلال؟.

ولم تكن زوجتى أكثر حظا فالطبيب الشهير الذى يشير إليه الجميع بالإعجاب طلب منها كتابة استعمال شامبو أطفال لغسيل العينين بعد الجراحة دون أن يكون لديه الوقت الكافى ليضيف جملة ضرورية: «بعد تخفيفه بالماء» وهكذا وضعت صابونا مكثفا حارقا فى عينين لم يلتئم جرحهما.

ولن أنسى نادين شمس ــ كاتبة السيناريو الرقيقة الموهوبة هامسة الصوت التى بدأت حياتها صحفية إلى جوارى فى «صوت الأمة» دخلت مستشفى خاصًا لتجرى جراحة بسيطة فى الرحم لكن الطبيب البارع ثقب القولون ملوثا الدم فلم يحتمل جسدها النحيف ما حدث وماتت.

المشكلة أن هؤلاء الأطباء هم من أكبر وأشهر وأكثر أطباء مصر خبرة.

والمشكلة الأهم أن عدد الأطباء الذين نالوا عقابا على أخطائهم يعدون على الأصابع وغالبا لا يصل العقاب إلى الشطب من سجلات ممارسة المهنة وإنما لا يزيد على غرامة ٣٠٠ جنيه وفى حالات الإدانة النادرة يحصل المتضرر على تعويض مالى لايساوى جهد سنوات طوال من الصبر فى المحاكم وغالبا ما يدفعه إلى المحامين.

والحقيقة أن الأطباء الآن يأخذون احتياطيات قانونية تحميهم من العقوبة بأن يجبروا المريض على التوقيع على ما يقدم إليه من أوراق صاغها خبراء فى التشريع وإلا اعتذروا عن علاجه وعادة لا يقرأ المريض ما يوقع عليه بعد أن يصبح جاهزا للجراحة.

ولا شك أن تعرض نجوم السينما والميديا إلى أخطاء الأطباء يعيد فتح الملف من جديد كما حدث مع سعاد نصر وياسمين عبد العزيز وإيمان الحصرى.

أم شابة اسمها زينب السلحدار تموت بنزيف استمر ثمانى ساعات بخطأ طبيب التوليد فى التعامل مع جرح «القيصرية» ولم تر طفلتها.

فتاة اسمها هبة العيوطى دخلت مستشفى لإجراء أشعة بالصبغة لكنها حقنت بمادة كاوية أجهزت على حياتها.

شاب تحت العشرين مات وهو يجرى جراحة زائدة دودية عندما احتاج أوكسجين وكانت الأنابيب فارغة.

وهناك ١٨٠ ألف حالة أخرى سنويا فى مصر.

الرقم أثار سخرية كثير من الأطباء وقارنه بعضهم بوفيات حوادث الطرق والكوارث والسيول والأعاصير وقارنه البعض الآخر بما يحدث فى مستشفيات وعيادات الولايات المتحدة حيث يصل الرقم إلى ٩٨ ألفًا.

وحسب منظمة الصحة العالمية فإن خمسة أشخاص فى العالم يفقدون حياتهم كل دقيقة بسبب الأخطاء الطبية وأن ستة فى المائة من المرضى ينتهون إلى الإعاقة بسببها فهل ما نشرت المنظمة يعد هجمة شرسة وغير أخلاقية أيضا؟.

ولا شك أن المقارنة ظالمة بين مصر وغيرها من دول العالم.

الطبيب الذى يخطئ فى الولايات المتحدة تسحب منه رخصة علاج حالات التأمين الصحى التى تشكل تسعين فى المائة من دخله.

حدث ذلك لزوج نجمة سينمائية هاجرت إلى كاليفورنيا لتتزوج من طبيب مصرى يعيش هناك ولكنهما بعد سنوات طوال عادا إلى القاهرة بعد أن ألغى تعاقده مع التأمين الصحى هناك ليفعل ما يشاء دون أن يحاسبه أحد.

وحماية للمريض من أخطاء الأطباء تجدد ــ بالقانون ــ تراخيص مزاولتهم المهنة (كل ثلاث إلى خمس سنوات) فى الدول الأوروبية وتقوم باختباراتهم فى أحدث المعلومات الطبية ولايستثنى أحد مهما كانت شهرته أو خبرته.

هذا بالطبع لا يحدث فى مصر فمعلومات الطبيب تتوقف غالبا عند حدود دراسته أو بعثته ولا تجدد إلا بممارسة التجربة والخطأ فى علاج المرضى أما المؤتمرات الطبية فغالبا ما تكون رحلات ترفيهية على حساب شركات أدوية تريد الترويج لدواء ما تنتجه.

ويندر أن ينشر طبيبا بحثا فى مجلة طبية فى تخصصه بل يندر أن يجد وقتا لقراءتها فهو من عيادة وسط البلد إلى عيادة فى حى آخر (مصر الجديدة أو المعادى مثلا) ومن مستشفى يجرى فيه جراحة جديدة إلى مستشفى يتابع فيه جراحة قديمة وفى نهاية الأسبوع عليه البحث عن استثمار مناسب لما جمع من مال ولو خارج مجالات الصحة ما دامت مربحة كما فعل طبيب مخ وأعصاب راحل حين ساهم فى شركة أمن وحراسة ونظافة.

وفى العالم الذى يقدس حق الحياة يفصل بين تدريس الطب وممارسته.

إما أن يتفرغ حاملو الشهادات العليا فى الطب إلى تعليمه أو يكتفون بممارسته ولايجمعون بين الوظيفتين كما الحال عندنا حيث تراجع ترتيب كليات الطب المصرية بين مثيلتها فى العالم وحيث تتزايد الأخطاء الطبية فى الوقت نفسه.

الجمع بين الوظيفتين جعل أداء الغالبية متوسطًا.

وضاعف الضغط على الأطباء الكبار إلى حد الإرهاق.

فى برنامجها المتميز استضافت منى الشاذلى نقيب الأطباء الدكتور حسين خيرى وقبل الحوار معها عرضت على الشاشة صورة له وهو جالس على الأرض واضعا رأسه على منضدة صغيرة واعتبرت الصورة دليلا على تفانى النقيب فى العمل دون أن تضع فى الاعتبار أن الإجهاد الذى عليه يمكن أن يدفع ثمنه مريض ينتظره فى غرفة العمليات.

لابد من تشريع يخير أساتذة الطب بين تدريسه ومزاولته لنضمن تعليما طبيا جيدا وتركيزا مكثفا فى العلاج.

وأشد ما أوجعنى أن طبيبا صديقا تفرغ لمرضاه قال لى:

ــ أنا لا يمكن أن أجرى جراحة لى فى مصر هو أنا مجنون؟.