طارق الشناوي يكتب: حكاية نانسي

الفجر الفني

طارق الشناوي
طارق الشناوي

 

أتذكر كيف واجه أكثر من ملحن، فى مطلع الألفية الثالثة، بقسوة نانسي عجرم، واعتبروها سبة في تاريخ الغناء العربى، بل طالبوا بمنعها من دخول البلاد، كان أعلى الأصوات وكالعادة الملحن حلمي بكر!.

بدأت نانسى رحلة الاحتراف في بدايات الألفية الثالثة، لم ترد نانسي على أى هجوم، فقط غنت (أخاصمك آه أسيبك لا) تأليف فوزى إبراهيم وتلحين محمد سعد ورددها وراءها الناس، (ترمومتر) لجان الاستماع الرافضة لصوتها استعانوا بنفس مقاييس الخمسينيات، بالمناسبة هذه اللجان أيضا أسقطت عبد الحليم حافظ عدة مرات قبل أن يلجأ الموسيقار كمال الطويل- عضو اللجنة- كما أخبرنى فى حديث موثق للمقايضة، ووافق على أن يمنح موافقته لمطرب ليس مقتنعا به، لأن أحد أعضاء لجنة الاستماع متحمس له، ووضع شرطا حتى يمنح حليم موافقته، فإن على الطويل أن يقدم (السبت) أولا، بالفعل منحه الطويل (السبت) وحصل على (الحد) وتم اعتماد عبد الحليم.

عندما سألت الأستاذ كمال عن تبريره، قال لى إنه أيقن أن هذا المطرب ستسقطه الناس لا محالة ولن يشفع له نجاحه فى لجنة الاستماع، وأن هدفه الوحيد أن يحمل عبد الحليم التأشيرة، والجمهور فى النهاية سوف يحمى حليم.

لجان الاستماع فى كل زمن تتحرك وفقا للمعايير النظرية المعتمدة، بينما الفنان ابن الزمن الذى يعيشه، وهكذا استمرت نانسى لأنها ابنة هذا العصر فى ملامحها وأدائها، وقبل نحو ربما عشر سنوات، اتفقت نانسى مع حلمى بكر على الغناء من تلحينه، وسجلت بالفعل الأغنية وقالت إنها ستطرحها فى ألبومها القادم، ومنذ هذا التاريخ لم تُقدمها فى أى ألبوم قادم، ومن بعدها توقف حلمى بكر عن النيل منها.

الذين حققوا نجاحا استثنائيا تلقوا العديد من الضربات الموجعة، أتذكر علي حميدة بعد ( لولاكي)، رغم الهجوم الضارى عليها إلا أنها صمدت، وفى نفس المرحلة الزمنية نهاية الثمانينيات، غنى عبد الوهاب (من غير ليه)، ولا تزال الذاكرة تحتفظ بالأغنيتين.

وكان عبد الوهاب قبل رحيله يسأل عن توزيع (من غير ليه) بالقياس إلى (لولاكي)، ومن الذي حقق سبقا رقميا، كل أغنية تملك منهجًا مختلفًا ومن يستمع إلى (من غير ليه) من الممكن أن يحب (لولاكي) والعكس صحيح والأغنيتان تحت مظلة الذوق العام.

الذائقة من الممكن أن تستوعب كل الأطياف، كما أن سلاح المنع أثبت فشله طوال التاريخ، فريد الأطرش عندما غنى (يا عوازل فلفلوا) عام 1950 تأليف أبو السعود الأبياري، اعتبرها رئيس الوزراء الأسبق مصطفى باشا النحاس أغنية خليعة وبذيئة لا تليق برجل وصادرها، وبعد قيام ثورة 52 صارت متداولة، ثم حدث العكس، مع أغنية (البوسطجية اشتكوا من كتر مراسيلى) غناء رجاء عبده وكلمات أبو السعود الإبيارى وتلحين عبد الوهاب، وقالوا إن أحد الضباط الذى تولى المسؤولية فى الإذاعة، كان يخشى من غضب الرئيس عبد الناصر فمنعها، لأن والده كان بوسطجيا، وظلت ممنوعة عدة سنوات، وعندما علم عبد الناصر أمر بإعادة بثها مجددا، بل أنتجت مؤسسة السينما فى عهده فيلم (البوسطجى). المصادرة التى يتشدقون بها سرعان ما تسقط، حلمى بكر الذى اعترض على صوت نانسى فى البداية، هو الذى لحن بعدها لنانسى، وهى التى لم تسمح بتداول لحنه!!.

[email protected]


المقال: نقلًا عن (المصري اليوم).