طارق الشناوي يكتب: مصر دائمًا مصر

الفجر الفني

طارق الشناوي
طارق الشناوي

 


شعرت بالفخر والعزة وأنا أتابع مساء أول من أمس هذه الاحتفالية التى تستحق وبلا أى مبالغة توصيف «أسطورية». عمل فنى به كل المواصفات التى تخرجه من مرحلة الإبهار إلى الانتشاء الجمالى، بكل ما تحمله هذه الكلمة من زخم وجدانى ليصبح قادرًا على تجديد مشاعر الفخر، بمصرنا الغالية.

وكان حضور الرئيس عبد الفتاح السيسى والسيدة حرم الرئيس هذا الإنجاز وثناؤه على العرض هو تتويجًا لـ(طريق الكباش).

قبل نحو سبعة أشهر شاهدنا (الموكب الذهبى) الذى واكب رحلة ملوك وملكات فى رحلتهم من المتحف المصرى، وكانت كاميرا المخرج ومدير التصوير أحمد المرسى ترصد هذا الحدث التاريخى بألق وجمال، ومرسى أحد أهم مديرى التصوير الذين عرفتهم السينما المصرية فى السنوات العشر الأخيرة، ومن الواضح أن إخراجه تلك الملحمة بمثابة بداية لكى ينتقل إلى عالم الإخراج السينمائى، وكانت هناك أيضًا لمسات الموزع الموسيقى أحمد الموجى حفيد الموسيقار الكبير محمد الموجى من ابنته الصغرى (غنوة) الحاصلة على الدكتوراه فى الموسيقى.

الدولة العظيمة التى يمتد تاريخها كل هذه الآلاف من السنين، تظل قادرة على إبهار العالم بما لديها من كنوز جمالية، تتجدد بتجدد الزمن وانتقال (الجينات) الوراثية.

هؤلاء العباقرة وعدد كبير آخر كانوا وراء هذا الإنجاز التاريخى، لقد أعادوا أيضًا نحو نصف قرن ليساعدوا مجددًا فى متابعة عباقرة تاريخنا الفنى، حيث قدموا لنا (التيمة) الغنائية الرئيسية فى الحفل من فيلم (غرام فى الكرنك) بأغنية (لقصر بلدنا).

فى هذا العرض تذكرنا الشاعر فتحى قورة أحد المظلومين فى دنيا الأغنية، لم تغن له أم كلثوم ولا عبدالوهاب، ورغم ذلك فهذا لا ينتقص أبدًا من أنه يقف على القمة بين كبار الشعراء من جيله مثل مأمون الشناوى وحسين السيد ومرسى جميل عزيز، بل كان هو الأغزر، ووصفه كاتبنا الكبير يحيى حقى من فرط موهبته قائلًا بأنه (بهلوان الوزن والقافية)، فهو ينتقل بسهولة ويسر وأستاذية بين الأوزان والقوافى، ولدينا أيضًا الملحن على إسماعيل.

إنه الضلع الموسيقى الثالث فى صناعة سيمفونية عبدالحليم حافظ، والذى شكل مع كل من كمال الطويل ومحمد الموجى، البنية التحتية للعندليب، وأول لحن قفز بعبدالحليم نحو الجماهيرية الطاغية (على قد الشوق) من تلحين كمال الطويل وتوزيع على إسماعيل، ولا يزال هذا اللحن يحمل كل ملامح ونبضات العصرية والطزاجة والشبابية بسبب هذا التوزيع العبقرى للمظلوم تاريخيًا على إسماعيل.

الأخوان رضا، على ومحمود، مؤسسا فرقة رضا، على المخرج ومحمود مصمم الاستعراضات، الذى كان يجوب كل المحافظات المصرية بحثًا عن الرقصة التى تعبر عن وجدان الناس، وهما أيضًا لم ينصفهما تاريخنا الفنى، وأضف إليهما صوت محمد العزبى، الذى لم يأخذ حقه تاريخيًا، وهكذا صار لدينا خمسة مظاليم فى التاريخ قورة والعزبى وعلى إسماعيل والأخوين رضا، تذكرناهم فى ملحمة (طريق الكباش)، تابع هذا المقطع (لقصر بلدنا على الخرطة /تتحط من تحتها شرطة)، منتهى البساطة والجاذبية والقدرة على التعبير الموحى بخفة ظل وتلقائية.

مثل هذه الأعمال العظيمة تخترق الزمن، تنتقل من جيل إلى جيل، وهكذا جاء احتفال (طريق الكباش) ذلك الإنجاز الذى حققه الإنسان المصرى قبل سبعة آلاف عام وأعاده للحياة كل هؤلاء العظام، وتابعه الملايين فى العالم كله، فى ليلة لا ولن تُنسى!.

[email protected]


المقال: نقلًا عن (المصري اليوم).