عادل حمودة يكتب: سوسكا

مقالات الرأي

الكاتب الصحفي عادل
الكاتب الصحفي عادل حمودة
Advertisements

حياتها لم تكن نصًا عاديًا.. واحترفت الطيران فى سماء الحرية

مبارك أنقذها من التحقيق بتهمة إهانة شخصيات عامة

كانت هادئة فى بيتها تكلم الزهور فى الصباح وعلى المسرح غولًا يبتلع الجميع


كانت ممددة فى فراشها تعانى من نوبة «أنفلونزا» شرسة عندما اتصل بها الدكتور مصطفى الفقى لينقل إليها رسالة من مبارك بصفته سكرتيره للمعلومات:

«مدام سهير البابلى اطمئنى ليس هناك شىء ضدك والرئيس نفسه شاهد المسرحية على الطائرة ونحن فى طريقنا إلى الصين».

كنت أجلس على مقعد قريب منها رغم أننى مصاب بخوف من «البرد» يصل إلى حد «الفوبيا» ولكن لم أستطع أن أتركها وحيدة فى أزمتها السياسية التى تهدد حريتها ونجوميتها وسمعتها.

بدأت الأزمة فى خريف عام ١٩٨٩ بهجوم حاد من موسى صبرى لم يشن مثله على إسرائيل ــ ضد سخريتها من شخصيات وزارية ونيابية شهيرة فى مسرحية «نص أنا ونص أنت» واتهمها بأنها حولت المسرح إلى «غرزة».

لم تكن المرة الأولى التى تجسد فيها «سوسكا» كما كنا نناديها ــ ما يسمى بـمسرح «الكباريه السياسى» الذى تعرفه وتشجعه دول ديمقراطية كثيرة أما هى فوصفته بـ «الكاريكاتير اللاذع» مثل الذى يرسمه مصطفى حسين ويكتبه أحمد رجب.

سبق أن قدمت مسرحية «على الرصيف» منتقدة أوضاعا اجتماعية وسلوكيات وتصرفات حكومية ضاعفت من شهرتها بل وضعتها بين نجوم الصف الأول بعد أن ظلمتها السينما كثيرا وحشرتها فى الأدوار الثانية (فيلم «يوم من عمرى» وفيلم «جناب السفير» مثلا) حتى اعترفت بحقها فى أدوار البطولة (فيلم «استقالة عالمة ذرة» وفيلم «السيد قشطة» مثلا).

خوفا على منصبه لم يتردد مدير الرقابة حمدى سرور فى السفر إلى الإسكندرية ليشاهد المسرحية بنفسه هناك أربع ليال متتالية وعندما لمحته سوسكا جالسا بين الجمهور ولاحظت غضبه من انتقادها الساخر لرئيس مجلس الشعب الدكتور رفعت المحجوب خرجت على النص قائلة: «كل واحد دافع ثلاثين جنيها وجاى يتفرج عشان يضحك».

تعهد منتج المسرحية سمير خفاجى باحترام الممثلين للنص وعدم الخروج عليه ثم أوقف العرض نهائيا ليريح كل الأطراف.

لم يكن هجوم موسى صبرى خاليا من تصفية حسابات قديمة.

عرف عنه أنه كان يحب صباح بل ذكر البعض أنه تزوجها وذات مساء وجدته سوسكا إلى جانبها فقالت لها: «ازيك يا شحرورة؟» والتفتت إليه قائلة: «وازيك يا شحرور».

لم يرد «الشحرور» وكتم مشاعر الغضب فى نفسه حتى حانت فرصة الانتقام وكان ما كان.

وعندما وصلت الأزمة إلى الرئاسة تدخل مبارك طالبا مساندة سهير البابلى وأبعد عنها سيف التحقيق معها بتهمة إهانة شخصيات عامة التى يعاقب مرتكبها بالسجن.

والمثير للدهشة أنها حصلت فى السنة نفسها على جائزة خاصة من مصطفى أمين كبير أخبار اليوم الذى يكتب فى صحفها ومجلاتها موسى صبرى.

عشت مع سوسكا تلك المعركة يوما بيوم بل ساعة بساعة.

كنت أكثر الأصدقاء قربا إليها فى الوسط الصحفى ولم تكن لتخفى عنى مشروعاتها الفنية وأسرارها الخاصة بل كثيرا ما أطلعتنى على أخطائها وأحلامها ولكن ما أن اعتزلت الفن وأوحت بأنه حرام حتى اختلفنا وتباعدنا وإن حافظت على كل ما أباحت به بحكم الثقة التى كانت بيننا.

التقيت بها أول مرة فى الخرطوم.

كنت مدير تحرير مجلة «الوادى» المصرية السودانية وسافرت بصحبة الفنان الصحفى هبة عنايت لنحاور الرئيس جعفر نميرى أما هى فكانت تعرض مسرحية «مدرسة المشاغبين» مع عادل إمام وسعيد صالح ويونس شلبى وجمعتنا سهرة فى بيت عائلة سودانية جذورها مصرية ورحنا نتحدث فى أمور عابرة لكن بدا من الود المتبادل أن صداقة ما بيننا على وشك أن تبدأ.

فى اليوم التالى طلبت أن نلتقى على فنجان قهوة وذهبت إلى فندق «هيلتون» حيث تقيم ولكن قبل أن ألتقى بها وجدت عادل إمام وسعيد صالح يلعبان البلياردو وعندما عرفا بأننى على موعد معها تبادلا نظرات لم تعجبنى لكنها أكدت أن المنافسة على المسرح غالبا ما تستمر إلى ما بعد إسدال الستار.

وشاءت الصدفة أن نلتقى معا فى المطار لنعود على نفس الرحلة إلى القاهرة ولكن الطائرة التى كان مقررا أن تقلع فى الثامنة مساء تأخرت حتى الثامنة صباحا ما أتاح لنا وقتا طويلا للحديث امتد إلى نحو ١٢ ساعة.

عرفت ليلتها أنها طلقت من أحمد خليل بسبب خلاف حول الإنجاب وفوجئت بأنها اشترت إليه أشياء من السوق الحرة ومن كثرة حديثها عنه لم يكن من الصعب إدراك أنها لا تزال تحبه.

ولم تخف غضبها من منتجى السينما الذين لايعرضون عليها أدوار البطولة وأتذكر أنها قالت:

ـــ «يعنى أنا أحب عبد السلام النابلسى وزبيدة ثروت تحب عبد الحليم حافظ مش حرام».

ـــ «لكن ليس هناك ممثلة مثلك على خشبة المسرح أنت مثل «القطر» لا أحد يقف فى طريقك».

كنت أراها ممثلة غير عادية.. موهبة استثنائية.. تراها هادئة فى بيتها تكلم الزهور فى الصباح وتمسح عنها الغبار.. لكن.. ما أن تفتح الستار عليها حتى تجد «غولا» يبتلع النص والمخرج ومهندس الديكور وقاطع التذاكر وجمهور الصالة.

وشعرت ليلتها أنها تخشى المستقبل وتخاف أن يهملها المنتجون فلا تقدر على تحمل مسئولياتها وفى ظل هوجة «الفنانات التائبات» وجدتها تسألنى:

ــ هل الفن حرام فعلا؟.

ــ لست مفتيا لتعرفى منى إجابة ولكن تخيل أمة تكفر المبدعين فلا تشاهد مسرحية ولا تسمع سيمفونية ولا تستمتع بلوحة تشكيلية وتحرق كتب دواوين القصائد الشعرية.

ــ أعوذ بالله.

لكنها أضافت إلى إجابتها واقعة لم تتردد فى روايتها:

ــ كنت عائدة من الإسكندرية إلى القاهرة عندما صادفت فى القطار شيخا أزهريا ودون وعى منى رحت أسأله عن الفن فلم يتردد فى تحريمه وسألته عن البديل الذى نعيش منه إذا ما اعتزلت فقال: «افتحى مشغل أو اشتغلى خياطة».

لم تنفذ سوسكا النصيحة ولكن ظلت تبحث عن مصدر رزق بديل يشجعها على اعتزال الفن «الحرام».

وأستطيع أن أجزم أن ابنتها الوحيدة نيفين (من زوجها الأول محمود الناقورى التى تعرفت عليه فى بورسعيد) كانت دائمة الإلحاح عليها كى تغطى رأسها بالحجاب مثلها.

اعتذر قائد الطائرة على التأخير وأرسل هدية بسيطة إلى سوسكا (صندوق كرتون فيه زجاجات شراب صغيرة متعددة الأصناف).

ما أن هبطت الطائرة فى مطار القاهرة حتى تصورت أننا لن نلتقى إلا صدفة.

كانت الصدفة فى فندق هيلتون النيل حيث كنت أجلس على مائدة فاتن حمامة وإلى جانبى سعاد حسنى وأحمد زكى عندما وجدتها أمامنا.

طلبت منى أن أقرأ مسرحيات وسيناريوهات معروضة عليها ونفذت ما طلبت وفى شقتها القريبة من شارع جامعة الدول العربية التقيت هناك بأصدقائها المقربين فى الوسط الفنى: المخرج جلال الشرقاوى والمنتج محمد فوزى والنجمة يسرا.

وهناك أيضا تعرفت على زوجها الثالث أشرف السرجانى الذى تزوجته بعد سنوات طوال من انفصالها عن منير مراد الذى لم تكن أيامه الأخيرة سعيدة.

وما أن طلقت من أشرف السرجانى حتى دخل حياتها طبيب عيون يمتلك مستشفى خاصًا فى الإسكندرية عرض عليها الزواج ودعتنا ــ يسرا وأنا ــ معه على عشاء لتعرف رأينا فيه وبدا واضحا أن النهاية لم تكن سعيدة.

لكن المفاجأة التى أصابتنا بالذهول زواجها الأخير من مقاول صغير ملتحى تولى إصلاحات بيتها الصيفى فى «أبو تلات» قبلت الزواج منه رغم أنه متزوج بل إنها حملت طفلته الرضيعة التى أنجبها بعد زواجه من سوسكا بشهور قليلة.

وبدا واضحا أن الشاب الذى يصغرها بسنوات ما كان مناسبا لمرحلة الاعتزال والحجاب وربما كان السبب فيها.

حدث ذلك بعد النجاح الكبير لمسرحية «ريا وسكينة» التى جمعتها بشادية وتركا الفن بعدها.

التقيت بها ثلاث مرات بعد أن أعطت ظهرها للعالم الذى جمعنا من قبل ولكن فى كل مرة كان الحوار يقترب من الصدام فلم أجد مفرا من الابتعاد عنها متعهدا بأن أصون ما أؤتمنت عليه.

لكن ذلك لم يمنع حزنى على فنانة لا تتكرر انسحبت فى الوقت الذى تألقت فيه ووصلت إليه بعد طول شقاء.

إنها نجمة غير تقليدية.. حياتها لم تكن نصا عاديا.. لم تخرج عن النص بقدر ما خرجت على المألوف.. احترفت الطيران فى سماء الحرية وليس هناك عصفور فى العالم ندم يوما على احتراف الحرية.