الدكتور محمود جلال يكتب: تمويل الابتكار وريادة الأعمال في مؤشر الابتكار العالمي (4)

الدكتور محمود الجلاد
الدكتور محمود الجلاد
Advertisements

ارتبط تمويل الابتكار تاريخيًا بالدعم المباشر وغير المباشر الذي تقدمه الحكومات لكل من الهيئات والمؤسسات والأفراد، وكذلك الاستثمارات الخاصة بالشركات كما استعرضناها في الجزئين الثاني والثالث، وفي العقود الماضية ترسخت في الأسواق العالمية العديد من الآليات الأخرى التي تستهدف تمويل الابتكار ومنها ما هو قائم على السوق مثل تمويل الأعمال الريادية في مقابل حصة خاصة في رأس المال كما سنستعرض في هذا الجزء، هذا وتختلف آليات التمويل المتاحة طبقًا ومراحل دورة حياة الشركات كما استعرضنا في الجزء الأول.

الجزء الرابع: الحصة الخاصة في رأس المال كآلية من آليات التمويل القائمة على السوق والتي تستهدف الابتكار:

3. حصة رأس مال خاصة (private equity):

وفي هذا النوع من آليات التمويل يقوم المستثمرون بشراء حصة من شركات غير مطروحة للتداول العام بالبورصة، سواء أكانت هذه الشركات ناشئة (start-up companies) أو شركات ناضجة تريد التوسع (expanding firms) أو شركات ناضجة وذات أرباح ثابتة (mature firms with steady profits) أو شركات تعاني من تراجع الأرباح والخسائر (declining firms).

ومن بين استراتيجيات الاستثمار في حصص رأس المال الخاصة:

- رأس المال الاستثماري أو المخاطر (venture capital)لتمويل الشركات الناشئة التي تقدم تكنولوجيات ومنتجات وخدمات ابتكارية.

- زيادة رأس المال في الشركات الناضجة (growth capital) لتمويل أعمال توسعية أو إعادة هيكلة أو عملية استحواذ، أو الاستحواذ باستخدام أموال مقترضة (leveraged buyouts)، أو لزيادة رأس المال لدعم كفاءة الشركة في تحقيق الإيرادات (لرفع معدل دوران رأس المال turnover).

حيث يقوم المستثمرون بتمويل تجديد أنشطة الشركات الناضجة لتحقيق النمو التوليدي (generative growth) الذي يؤدي إلى تطوير العمليات والهيكل المؤسسي وتحسين الكفاءة وزيادة الإنتاج ودورة رأس المال وتطوير العمليات وتوليد تكنولوجيات ومنتجات وخدمات ابتكارية جديدة وتقليل المخاطر.

كما يقدم بعض المستثمرين المتمرسين خدمات داعمة أخرى تساعد في خلق القيمة مثل الاستشارات الاستراتيجية، والخبرة التجارية، وشبكات الاتصالات.

ويتركز تمويل حصص رأس المال الخاصة في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا بما يمثل أكثر من 90% من إجمالي أصول حصص رأس المال الخاصة، حيث تمثل لهم أداة رئيسية لتوفير رأس المال لمجموعة واسعة من الشركات، سواء الشركات الناشئة أو الشركات الناضجة أو حتى الشركات التي تعاني، وذلك بقيمة وصلت في عام 2019 إلى 4.11 تريليون دولار أمريكي.

فنجد أن العديد من الدول مثل الولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي، والصين، والبرازيل، وإسرائيل، واليابان، وتشيلي قامت بدعم نمو رأس المال الاستثماري الوطني من خلال السياسات العامة أو من خلال إنشاء أدوات استثمار حكومية لدعم الشركات الناشئة الذي من شأنه أن يزيد من نمو البلدان وقدرتها التنافسية، كما بدأت البلدان النامية مؤخرًا تحذو حذوهم حيث أطلقت الأردن والمغرب والسنغال صناديق مملوكة للدولة لتعزيز تمويل الشركات الناشئة، حيث أصبح الاستثمار في الشركات الناشئة حجر الزاوية في سياسات الابتكار العامة.

ولكن لخلق قيمة مستدامة طويلة الأجل تحتاج الشركات التي أصبحت ناضجة للوصول إلى التمويل لتكون قادرة على القيام بالابتكار بكثافة بحيث يكون لدى الشركات القدرة على تكرار تطوير الابتكارات الجذرية (radical innovations)، فلا يكفي توسيع نطاق المنتجات الحالية وجعلها أكثر كفاءة وتطوير منتجات مربحة جديدة ولكن تحتاج الشركات أيضًا إلى تشكيل "المجهول" بمعنى توسيع المعرفة واستكشاف المفاهيم غير المعروفة، حيث ينشئ الابتكار الجذري فئة جديدة من المنتجات أو الخدمات (مثل البنسلين، التليفزيون، الإنترنت) والتي تحمي من ظهور منافس لفترة طويلة.

خاصة الشركات المتوسطة الرائدة في أسواقها المتخصصة والتي تحتاج للبقاء في طليعة أسواقها إلى تجديد أنشطتها باستمرار وتطوير عمليات ابتكار مستدامة للوصول إلى ما نسميه مسارات النمو التوليدية، أي ليس فقط النمو في الإيرادات أو عدد الموظفين ولكن أيضًا في تنوع المنتجات وأصالة المفاهيم.

ولنأخذ مثالًا على النمو التوليدي في الشركات المتوسطة من خلال شركة Tefal الفرنسية ذات الشهرة العالمية، التي لم تكتفِ باستغلال الخاصية غير اللاصقة للتفلون التي اكتُشفت بالصدفة وحصل بها مؤسس الشركة على براءة اختراع في عام 1954، بل قامت الشركة باكتساب المعارف المتنوعة واستخدامها في تطوير مجالات عالية الكفاءة مثل المعالجة السطحية للمعادن، وإنتاج البلاستيك، واستخدام الإلكترونيات لإنتاج مجموعة واسعة من أدوات وأجهزة الطهو، وأدت أيضا لإضافة خطوط جديدة للمكاوي والإكسسوارات البعيدة جدًا عن الأنشطة الأساسية للشركة ولكن هذا التوسع إلى ما بعد الاستخدام الأصلي للتفلون هو الذي ضمن استمرار نجاحها.  

وبسبب هذه التحديات، يلعب مستثمرو حصص رأس المال الخاصة دورًا حاسمًا في الحفاظ على القدرات الابتكارية للشركات الناضجة، والتي تتوافق مع أهداف عمليات الاستحواذ وبدرجة أقل مع زيادة رأس المال، ومع ذلك فإن مستثمري عمليات الاستحواذ التي تمثل ضعف أصول رأس المال الاستثماري، غالبًا ما يمنحون اهتمامًا ضئيلًا لاستراتيجيات الابتكار الخاصة بالشركات التي لا تسهم في نمو الإيرادات ويقومون بتوجيه الاهتمام إلى المكاسب الإنتاجية، الأمر الذي يتعارض ويقيد ديناميكية واستراتيجيات الابتكار بالشركات، ويشجعها على التخلي عن أنشطة التجديد العميق للتركيز على تسريع عدد قليل من مشاريع البحوث والتطوير الحالية التي تحقق نموا قصير الأجل،

لأن معظم هؤلاء المستثمرين لديهم أفق زمني محدود للاستثمار بحد أقصى 10 سنوات مع خيار تمديد لبضع سنوات أخرى، ويتضمن هذا الإطار الزمني مرحلتي البحث وسحب الاستثمارات مما يؤدي إلى متوسط فترة ملكية لحصة رأس المال الخاصة من ثلاث إلى خمس سنوات، أو ثماني سنوات للمستثمرين الأكثر صبرًا.

مثال على ذلك شركة SoLocal الفرنسية المتخصصة في طباعة أدلة الهاتف (telephone directories) وكانت شركة مزدهرة عندما استحوذ صندوقان أمريكيان على غالبية الشركة بقيمة 6 مليارات يورو في عام 2006 في عملية استحواذ اعتبرت الأكثر توسعًا على الإطلاق في فرنسا وسط توقعات بقدرة الشركة على تحقيق أرباح ثابتة، ولكن لم يتم التفكير في تجديد الشركة، بل وتم تحميلها بديون وصلت إلى 2 مليار يورو لتمويل توزيع أرباح خاصة أولية وسنوية، والتي أدت إلى ديون مفرطة كانت تسحب 60٪ من صافي الإيرادات.

هذا ونجد أن تطور رأس المال الاستثماري قائم على تعويض نقص التمويل للاستثمارات الابتكارية المحفوفة بالمخاطر التي تعاني من فجوات تمويل الابتكار (equity gap)، أما الشركات الناضجة تمول استراتيجياتها الابتكارية ذاتيًا لصعوبة العثور على مستثمرين يدعمون استراتيجيات مستدامة للتجديد قد يتجاوز طولها فترة الاستثمار قبل أن تحقق نتائج ملموسة ترفع من قيمة الشركة مما يجعلها تعاني من فجوات السيولة (liquidity gap)، ولعلاج هذه الفجوات للحفاظ على النمو التوليدي قامت إحدى المبادرات الحكومية البارزة في عام 2014 بإطلاق Bpifrance وهو بنك استثماري فرنسي مملوك للدولة لضمان الالتزام بالابتكار حيث يستثمر في الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة بحصص رأس مال بلغت في هذا الوقت 22 مليار يورو.

كما قام أيضا بعض المستثمرين بتطوير استراتيجيات جديدة للتقييم الحقيقي للشركات قبل صفقات الاستحواذ لا تركز فقط على استقراء الإيرادات المستقبلية من الأنشطة الحالية، ولكن القيام بالاستطلاع لتحديد المفاهيم الابداعية التي يمكن أن تولد النمو القادم وتقييم قدرات الابتكار للشركات، وهل تمتلك مهارات خارقة للبحوث والتطوير، والشراكات البحثية القائمة، وخطط الأعمال للمنتجات المستقبلية ومجالات الابتكار، بدلًا من مجرد تقييم طلبات براءات الاختراع وحصص السوق، مما يجعل هذه الشركات جاذبة للمستثمرين وتتلقى التمويل اللازم لدعم مسارات النمو التوليدية التي تتيح تجديد أنشطة الشركات على المدى الطويل. 

كما يمكن للمستثمرين استخدام استراتيجيات ما بعد اتمام عملية الاستحواذ، مثل الاستعانة بمصادر رأس مال بديلة لدعم أنشطة البحوث والتطوير مثل صناديق رأس المال الدائم (evergreen funds) وهي صناديق استثمار مفتوح ليس لها إنهاء محدد مسبقًا وبالتالي تسهل دعم المستثمرين لاستراتيجيات الابتكار الخاصة بالشركات، أو تعزيز شبكات التواصل لمشاركة التصورات الاجتماعية والتكنولوجية والتي تساعد في تغيير احتياجات السوق لدعم استراتيجيات التطوير.

وعلى سبيل المثال، عندما قامت شركة إنتل (Intel) بتطوير معالجٍ دقيقٍ (microprocessor) تجاوزت قدرته في الأداء احتياجات أجهزة الكومبيوتر خلال فترة التسعينيات، ولبيع هذا المنتج بشكل أفضل، استثمرت الشركة في تحفيز التطبيقات الخارجية المبتكرة التي تحتاج إلى معالجات دقيقة عالية الأداء، وصممت منفذ USB كواجهة اتصال بين أجهزة الكومبيوتر والأجهزة الإلكترونية الخارجية المشغلة لهذه التطبيقات الأمر الذي كان مفتاح النمو للشركة خلال هذه الفترة، وإذا كانت شركة إنتل مدعومة بحصص رأس مال خاصة لكان من مصلحة المستثمرين الاستفادة من ذلك من خلال الاستثمار في الشركات التي تبحث في مجالات الابتكار التكميلية للحصول على المزيد من القيمة بدلًا من تكوين محفظة من مجموعة من الشركات المستقلة بشكل تقليدي.

وتواجه معظم البلدان ذات الدخل المنخفض، وخاصة في إفريقيا من نقص في الشركات الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن تحفز النمو الاقتصادي الوطني، لذلك شرع عدد متزايد من الدول ذات الدخل المنخفض في برامج لتطوير صناديق رأس المال الاستثماري واجتذاب موارد مالية وطنية وأجنبية إضافية من أجل سد فجوات التمويل وتعزيز الابتكار وفي نهاية المطاف تعزيز القدرة التنافسية الوطنية.

ويجب الأخذ في الاعتبار أن الشركات الناشئة الناجحة تصبح في نهاية المطاف شركات ناضجة، ولكن عندما تقوم هذه الشركات الناشئة بإطلاق منتجاتها الابتكارية الأولى، ستواجه تحدي تطوير الأجيال القادمة من الابتكار والحاجة إلى إيجاد مستثمرين يدعمون استراتيجيات النمو التوليدية هذه، لذلك يجب على الدول أن تلعب دورًا رائدًا في هيكلة صناعة حصص رأس المال الخاصة لديها، ليس فقط لتوفير موارد مالية إضافية لعلاج فجوات التمويل، ولكن أيضًا لمواجهة التحديات التي تفرضها فجوة السيولة التي تعوق دعم النمو التوليدي، كما يمكن للدول أن تلعب دورًا رائدًا في دعم التوازن بين احتياجات الشركات طوال دورة حياتها، ولا سيما من خلال بنوك التنمية الوطنية لديها، ووضع السياسات العامة التي تحدد أولويات دعم النمو التوليدي.

وللحديث بقية،