أحمد عبد الوهاب يكتب: "في ذكرى اتحاد الإمارات الخمسين: ما بين الأوس والخزرج واتحاد زايد"

ركن القراء

بوابة الفجر
Advertisements

 

عندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أراد بناء أمة فتية، لكنه تفاجأ بصراعات داخلية بين الأوس والخزرج؛ يتقاتلون ويتناحرون فيما بينهم. وكقائد محنك ورجل دولة ليس له مثيل أدرك أن بناء الدولة لن يقوم أبدًا قبل الإصلاح الداخلي اجتماعيًّا وسياسيًّا؛ فكان شغله الشاغل صلوات ربي وسلامه عليه هو إعادة الوحدة قبل البناء؛ حتى لا يكون هناك يد تبني وأخرى تهدم. وبعد أن أتم الله أمر الاتحاد بين الأوس والخزرج جاءت النهضة الإسلامية في المدينة ومنها انتشرت إلى آفاق بعيدة. 
ما أنا بصدد الحديث عنه الآن قد يفهم للوهلة الأولى على أنه حديث ديني أو سياسي، لكن دعونا ننظر إليه نظرة اجتماعية إصلاحية قبل كونها سياسية أو دينية. إنها تجربة اتحاد الإمارات، لا سيما في عيد اتحادها الخمسين. 
خلف هذا الاتحاد يوجد قصة بطلها يعد بكل المقاييس ظاهرة تستحق الدراسة، إنه "الشيخ زايد". صاحب فكرة اتحاد الإمارات ومؤسس الدولة بمفهومها الحديث، وأول رئيس لها. ولذا فالحديث عن اتحاد الإمارات لن يستقيم دون الحديث عن الشيخ زايد ودوره أولًا. 
لقد قام الرجل على أثر نهج النبي في المدينة بترسيخ فكرة الاتحاد والدعوة إليه والعمل على نجاحه ونشر معناه في كل مناحي الحياة. وظهر أثر هذا على مدار الخمسين عامًا الماضية من خلال نهضة كبيرة للبلاد والعباد. 
ولذا كانت كلمات الشيخ زايد الخالدة عن الاتحاد" إن الاتحاد يعيش في نفسي وعقلي وأعز ما في وجودي، ولا يمكن أن أتصور في يوم من الأيام أن أسمح بالتفريط فيه أو التهاون نحو مستقبله".

حب الرجل:
لم أقابل أحدًا من الشعب الإماراتي يختلف على حب الشيخ زايد رحمه الله. يحبونه بالفعل من قلوبهم، وليس تظاهرًا. تجدهم يتفاخرون بينهم أنه كان رئيسهم وصاحب فكرة وحدتهم. 
لا يتفاخر المواطن الإماراتي بحب الرجل من أجل عيون الإعلام، ولا لمكاسب سياسية، ولا خوفًا من بطش قد يلحق بهم، بل يحبونه من القلب بغض النظر عن أيّةِ مكاسب محتملة.  أتحدث عن المواطن الإماراتي العربي سليم الفطرة، والذي ينعم مقارنة بغيره من الشعوب بحياة اقتصادية جيدة جدا.
وهم يعرفون جميعًا أن الشيخ زايد كان صاحب مبادرة الاتحاد والتي قادت البلاد إلى نهضة اقتصادية واجتماعية وفكرية.
لم تكن ثروة البلاد النفطية هي السبب الأكبر لنقل مجتمع الإمارات من مجتمع بدوي بسيط إلى مجتمع مدني حضاري حديث لكن بروح عربية أصيلة.
نعم كان للثروة والمال دور في النهضة، لكن حكمة الرجل في الإدارة وعدله كان له الدور الأكبر لإدارة هذا المال وتوظيفه في بناء الإنسان أولًا، ومنها جاءت النهضة في الإمارات. وإذا كنت في شك مما أقول فانظر حولك كم من الدول النفطية كانت أكثر غِناء من بلد الشيخ زايد لكن لم تحظى شعوبها بالنهضة الموجودة في الإمارات حاليًا؛ لأنها لم تحظَ بإدارة حكيمة تُجمِّع ولا تُفرِّق تُوحِّد ولا تُشتِّت مثل إدارة الرجل.
ثم انظر حرص الدولة من بعده على أن تتعرف الأجيال على تاريخ الرجل الناصع وعلى دوره في ترسيخ مفهوم الاتحاد. يتبادل الآباء تناول سيرته وغرس حبه للأبناء جيلا فجيلا.
لكن في المقابل هم لا يكتفون بالحديث عنه فقط لكنهم يأخذون نهجه أيضًا في تطوير بلدهم حتى لا يكون الأمر مجرد غناء بأمجاد الماضي. 
في عرف التجارة يوجد ما يسمى بالعلامة التجارية trade mark، وكلما زادت قوة هذه العلامة صارت أكثر رواجًا في التسويق والمصداقية بين العملاء. فمثلا إذا ذُكرت كلمة "مرسيدس" يتبادر إلى ذهنك فورًا تلك السيارة الألمانية القوية ذات المواصفات القياسية. وهكذا الحال في المنطقة العربية إذا سمعت اسم "الشيخ زايد" قفز في ذهنك صورة الحاكم العربي الحكيم الذي يقف وبجواره باقي حكام وشيوخ الإمارات وهم يقولون "نحن لسنا إمارات، نحن دولة الإمارات". 
كان حاكمًا حكيمًا يرجو الناس جميعا-المواطن والمقيم- خيره. تحكي لي إحدى الزميلات المقيمات ممن عاصرن الشيخ زايد فتقول "عاصرت وفاة الشيخ زايد وبكيت عليه بكاء البنت لأبيها، لم أبكِه فقط كرئيس، لكن كإنسان يُشعِر قومه بالأمان ويعاملهم بالرحمة". 
الرجل فطن للاتحاد أنه الأصل والأساس لنهضة أي أمة. الرجل اتقى الله في شعبه وفي كل من يقطن أرضه وعمل من أجلهم فنال حبهم. فسبحان من سخر عباده لعباده ووضع حب عباده في قلوب عباده. 
ما حدث من الوحدة بين الأوس والخزرج كان حدثًا تاريخيًّا فارقًا، ظنَّ الجميعُ وقتَها استحالةَ حدوثِه، لكنها كانت إرادة الله عز وجل بتأليف ذات البين بينهم " وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".  
وقد ظن البعض أن هذا كان عهد النبوة، حيث النبي بينهم، وأن الاتحاد مرتبط فقط بوجوده صلوات ربي وسلامه عليه، وتناسَوا أنه ترك لنا نهجه وسنته كدستور وهدى، وعليها مضى زايد وإخوته المؤسسون، فكان اتحاد الإمارات إشارة وأمل بأن إعادة توحيد العرب ليس أمرًا عصيًّا إذا صار الجميع على النهج النبوي. 
خمسون عاما من الاتحاد انتشرت وطبقت فيها مفاهيم إنسانية في البلاد كالتسامح والذي كان له أثر كبير لنبذ أي خلاف وتقبل الآخر واحترام شخصه رغم اختلاف الفكر. مفاهيم أراها في المجتمع وألمسها بشكل مباشر في مجال عملي كتربوي وإداري في إحدى المؤسسات التعليمية بالإمارات. 
خمسون عاما من الاتحاد انتشرت فيها مبادرات للعلم والمعرفة فنجد الشيخ محمد بن راشد يطلق مبادرة "تحدي القراءة العربي" يجمع ويوحد العالم العربي كل عام من كل البلاد، ومسابقات لتكريم المعلمين حول العالم وما ذلك كله إلا معنًى من معاني الاتحاد. 
خمسون عاما من الاتحاد انتشرت فيها مبادرات الريادة فنجد الإمارات أول دولة عربية تبادر بمشروع علمي خارج إطار كوكبنا "مسبار الأمل" مشروع ضخم يحمل مهمة لاستكشاف الفضاء والذي انطلقت في 20 يوليو 2020 إلى المريخ وتم بُناه المسبار في مركز محمد بن راشد للفضاء.
ولم تكن هذه الريادة إلا معنًى من معاني الاتحاد. 
في ذكرى الاحتفال بالعيد الوطني الخمسين للإمارات أتوجه للعالم كله عامة والعالم العربي خاصة، للاقتداء بالتجربة الإماراتية في شتى مجالات الخير ونشر قيم التعايش بين الأفراد. دعوة مقرونةً بالتسامح والتغافل عن الزلات في كل المجالات، في قطاعات العمل المختلفة، في المؤسسات والحكومات، بين الدول بعضها بعضًا. دعوةً مقرونةً بالعلم والعمل والسعي نحو الريادة. 
أبدا بنفسي فأعفو عمَّن ظلمني وليكن قدوتُنا صلوات ربي وسلامه عليه "اذهبوا فأنتم الطلقاء" دعوة تسامح قادت مكة كلها للإسلام. 
الاتحاد ليس مجرد كلمة لكنها فعل مرتبط بالتسامح والعدل والعمل والسعي بحق نحو الريادة.
" وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا"
نسأل الله الاتحاد لكل الشعوب العربية!