د. محمود جلال يكتب: تمويل الابتكار وريادة الأعمال في مؤشر الابتكار العالمي (5)

مقالات الرأي

الدكتور محمود جلال
الدكتور محمود جلال
Advertisements

آليات التمويل القائمة على السوق كان لها الدور الكبير خلال العقود الماضية في دعم الابتكار وريادة الأعمال، ومنها ما هو قائم على تمويل الأعمال الريادية في مقابل حصة في رأس المال (راجع الجزء الرابع)، والتي تشمل تمويل الشركات الناشئة في مراحل التوسع والنمو من خلال رأس المال الاستثماري والشركات المساهمة برأس مال مخاطر كما سنتعرض لاحقًا، في حين ارتبط تمويل الابتكار تاريخيًا بالدعم الذي تقدمه الحكومات وكذلك الاستثمارات الخاصة بالشركات (راجع الجزئين الثاني والثالث)، هذا وتختلف آليات التمويل المتاحة طبقًا ومراحل دورة حياة الشركات (راجع الجزء الأول).

 

الجزء الخامس: رأس المال الاستثماري لتمويل الابتكار ونمو الشركات التكنولوجية الناشئة:

 

4. رأس المال الاستثماري أو المخاطر (venture capital- VC):

 

يعتبر رأس المال الاستثماري من آليات التمويل لتعزيز الابتكار والنمو، وحتى وقت قريب كان أهم مصدر تمويل للشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا (tech start-ups) والابتكار مما جعله يوصف بأنه أموال الاختراع، فنجد أن العقد الماضي شهد نموًا سريعًا للغاية في قيمة استثمارات رأس المال الاستثماري في الشركات الناشئة عالميًا من أقل من 40 مليار دولار أمريكي في عام 2009 إلى أكثر من 250 مليار دولار أمريكي في عام 2019.

 

وهذا النمو الملحوظ في قيمة صفقات رأس المال الاستثماري خلال هذه الفترة كان مدفوعًا إلى حد كبير بزيادة الاستثمار في برامج وخدمات تكنولوجيا المعلومات، والمنتجات والخدمات الاستهلاكية والتجارية، وكذلك الخدمات المالية، بينما انخفضت حصة الاستثمارات في قطاعات الرعاية الصحية، وأجهزة تكنولوجيا المعلومات، والطاقة والمواد والموارد، من أكثر من 50٪ من إجمالي الإنفاق في عام 2010 إلى أقل من 25٪ في عام 2019، وشكل مجالا الطاقة والمواد والموارد، وأجهزة تكنولوجيا المعلومات مجتمعان أقل من 5٪ من رأس المال المستثمر بواسطة رأس المال الاستثماري في عام 2019، وبسبب انتشار فيروس كورونا في الأونة الأخيرة تحول تركيز هذه الاستثمارات نحو الصحة والتعليم عبر الإنترنت والبيانات الضخمة والتجارة الإلكترونية والروبوتات.

 

وتعكس هذه الاختلافات في التمويل عبر القطاعات دورات حياة التكنولوجيا، والموجة الهائلة من الابتكارات المتعلقة بالتطبيقات الإلكترونية التي أصبحت ممكنة بفضل الإنترنت والحوسبة السحابية (cloud computing) وتأثيرها الهام في الخفض بشكل كبير من تكلفة التعرف على إمكانيات الشركات الناشئة القائمة على الويب لتأمين الاستثمارات من المخاطر، كما سمح لتلك الشركات الناشئة بالاستفادة من مقدمي هذه الخدمات ذات التكلفة البسيطة مثل Amazon Web Services، وتأجيل الاستثمارات باهظة الثمن لتوسيع النطاق لما بعد التعرف السريع من خلالها على حجم وطبيعة الطلب من المستهلكين، وقد أدى هذا بدوره إلى ارتفاع عدد الشركات الناشئة التي يمكن أن تستفيد من انخفاض تكلفة التجارب.

 

حيث تم تمويل المئات من هذه الشركات الناشئة من خلال رأس المال الاستثماري والتي كانت سببًا في صعود الابتكارات المصنفة على أنها برامج تكنولوجيا المعلومات، وتفوقها على قطاعات الصناعة التقليدية، على سبيل المثال، تفوقت شركة أوبر على وسطاء أعمال سيارات الأجرة من خلال ربط الركاب بالسائقين بكفاءة أكبر، كما استطاعت شركة Airbnb في أقل من عشر سنوات من تأسيسها أن يكون لديها قوائم أكثر من أكبر سلسلة فنادق في العالم، على الرغم من عدم امتلاكها لأصول مادية، مما جلب قيمة هائلة لمستخدميها، فضلًا عن تبنيها أو تكرارها في العديد من البلدان حول العالم.

ولكن هذا النوع من الاستثمار يكون محفوفا بمخاطر عالية وينطوي على مشاكل كبيرة، منها نقص المعلومات الذي يجعل من الصعب تقييم إمكانات هذه الشركات ويسمح بسلوك انتهازي من قبل رواد الأعمال بعد تلقي التمويل، حيث قد لا يعمل رائد الأعمال بجد بما يكفي لتعظيم القيمة بعد إجراء الاستثمار، أو أن تكون هناك ظروف يختلف فيها صاحب رأس المال الاستثماري مع رائد الأعمال ويريد الحق في اتخاذ القرارات، وقد يوقف رائد الاعمال رأس المال الاستثماري من خلال التهديد بالانسحاب خاصة عندما يكون وجوده أمرًا بالغ الأهمية للشركة.

 

ولمعالجة مشكلة نقص المعلومات، يستخدم مستثمرو رأس المال الاستثماري مجموعة متنوعة من الآليات منها عملية الفرز لاختيار أفضل فرص الاستثمار، بالإضافة إلى المقابلات الدقيقة والتحليل المالي، والاستثمار مع مستثمرين آخرين الأمر الذي يوفر رأيًا ثانيًا حول فرصة تحقيق هذا الاستثمار لعوائد مغرية والحد من احتمالية تمويل صفقات خاسرة، ولكن هذه الطريقة تسبب رفض العديد من الأفكار الجيدة كجزء من عملية التقييم وتمويل فقط من 0.5 – 1 % من الصفقات المقترحة.

 

كما يقوم هؤلاء المستثمرون بتملك أسهمٍ مفضلة (preferred stock) بدلًا من الأسهم العادية (common stock)، وتكمن أهميتها في أنه إذا تم تصفية الشركة أو إعادة الأموال إلى المساهمين بطريقة أخرى، يتم دفع الأسهم المفضلة قبل الأسهم العادية التي يملكها رواد الأعمال أو غيرهم من المستثمرين الأقل امتيازا، علاوة على ذلك، يضيف أصحاب رأس المال الاستثماري العديد من التعهدات والأحكام المقيدة للسهم المفضل، مثل منع التمويلات المستقبلية إذا كانوا غير راضينعن تقييم الأداء الحالي، أو أن يحلوا محل رائد الأعمال، وأن يكون لهم تمثيل أو حتى التحكم في مجلس الإدارة بحيث يكون لهم الاشراف المكثف والسيطرة على هذا الاستثمار، ويمكن أن تساعد هذه التفاعلات على دفع الابتكار والأداء المالي بالشركة، وتختلف هذه الشروط المقيدة باختلاف جولة التمويل، وتكون أكثرها تحكمًا في الجولات الأولى من التمويل.

 

فغالبًا ما يقوم أصحاب رؤوس الأموال بصرف الأموال على مراحل (جولات التمويل)، لذلك فإن إعادة تمويل هذه الشركات مشروطٌ بتحقيق المعالم الفنية أو معالم السوق، ويسمح الإجراء على هذا النحو لصاحب رأس المال الاستثماري بجمع المزيد من المعلومات قبل تقديم تمويل إضافي، وبالتالي مساعدة المستثمرين على فصل الاستثمارات التي من المحتمل أن تكون ناجحة عن تلك التي من المحتمل أن تفشل، حيث يتعينعلى مديري الشركات المدعومة من رأس المال الاستثماري العودة مرارًا وتكرارًا إلى مموليهم للحصول على رأس مال إضافي، مما يسمح لأصحاب رؤوس الأموال بمراقبة عدم تبديد أموالهم في مشاريع غير مربحة، وبالتالي، يستمر تمويل الفكرة المبتكرة فقط إذا استمر القائمين عليها في التنفيذ الجيد لها.

 

وهذا التنظيم للاستثمارات من المراجعة والتدقيق الجيد (due diligence)، وصياغة عقود رأس المال الاستثماري (VC contracts) المناسبة، والضخ المرحلي لرأس المال (staged infusion of capital) يؤدي إلى تحسين كفاءة تمويل رأس المال الاستثماري وتقليل المخاطر.

 

ويتركز نشاط صفقات رأس المال الاستثماري في أمريكا الشمالية وآسيا وأوروبا، وتعتبر النقاط الساخنة الرئيسية التي تجذب رؤوس الأموال الاستثمارية المتعطشة للعائد على رأس المال هي سنغافورة، وإسرائيل، والصين، وهونج كونج، ولوكسمبورج، والولايات المتحدة الأمريكية، والهند، والمملكة المتحدة، وبلغت الصفقات ذروتها في عام 2018.

 

فنجد أن معظم رأس المال الاستثماري يركز على عدد قليل من الدول والقطاعات والشركات، بل أيضا تتركز في عدد قليل من المدن، فنجد أن أكثر من 60٪ من إجمالي قيمة هذه الصفقات عالميا ترتكز في 11 مدينة فقط، بواقع 6 في الولايات المتحدة، و3 في الصين، ولندن، وبنغالور، وذلك يعكس طبيعة أداء الاستثمار، فعلى سبيل المثال، وصلت العائدات السنوية (قبل الرسوم) من استثمارات رأس المال الاستثماري في وادي السيليكون بشمال كاليفورنيا إلى 25.6% وذلك خلال الفترة من بين عامي 1980 و2019، بينما حققت مناطق أخرى بالولايات المتحدة، مثل نيو إنجلاند (14.3٪)، ووسط المحيط الأطلسي (15.4٪)، وولايات المحيط الهادئ غير الواقعة بكاليفورنيا (13.5٪).

 

حتى في الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر أكبر سوق لرأس المال الاستثماري في العالم، يعتبر تمويل رأس المال الاستثماري حدثًا غير مألوف إلى حد ما، حيث تحصل فقطحوالي 0.167٪ من الشركات الجديدة على تمويل رأس المال الاستثماري.

 

ومع ذلك، نجد أن التأثير الكبير لرأس المال الاستثماري ينصب على الابتكار عبر مختلف الصناعات في الولايات المتحدة، كما أن التأثير الاقتصادي لرأس المال الاستثماري أكبر بكثير مما توحي به هذه النسبة الصغيرة، فنجد أن من بين جميع الشركات الأمريكية التي تم طرحها للاكتتاب العام في الأعوام العشرين الماضية، تم دعم نحو 60٪ منها من رأس المال الاستثماري.

 

إن الدعم الذي يقدمه رأس المال الاستثماري للشركات الناشئةيمكنها من الاستثمار بشكل أفضل في البحوث، وتطويرالسوق، والتسويق، ووضع الاستراتيجيات التي تتطلبه اللوصول إلى النطاق اللازم للطرح للاكتتاب العام.

 

ويظهر ذلك من الحقيقة بأن أكثر عشر شركات قيمة في العالمفي نهاية عام 2019 سبع شركات منها كانت مدعومة فيالأصل (خمس مقرها الولايات المتحدة واثنتان في الصين)، بل وأصبحت أكبر شركات التكنولوجيا وأكثرها إبداعًا في العالم، بما في ذلك أمازون، وأبل، وفيسبوك، وجوجل، ومايكروسوفت (الامريكية)، وتينسنت (Tencent) وعلى بابا (الصينية).

 

حيث أظهرت الدراسات الموسعة الأثر الإيجابي القوي لرأس المال الاستثماري على الابتكار، حيث نجد في المتوسط، أن دولارًا واحدًا من رأس المال الاستثماري أقوى بثلاث إلى أربع مرات في تحفيز تسجيل براءات الاختراع مقارنة بالدولار المنفق من الشركات داخليًا على البحوث والتطوير، مع أن رأس المال الاستثماري أقل من إنفاق الشركات على البحوث والتطوير، إلا أنه على سبيل المثال مسؤول عن حصة أكبر بكثير من الابتكارات التجارية الأمريكية.

 

وتركز هذه الصفقات على الشركات التي تحقق معدلات نمو عالية سنويا (scale-ups firms)، والشركات الناشئة التي أصبح لها تواجد قوي ووصلت إلى تحقيق إيرادات كبيرة وتقترب من تحقيق صافي دخل إيجابي وتريد التوسع والنمو(later-stage firms)، والشركات التكنولوجية الناشئة (tech-focused companies) التي تقدر قيمتها بمليار دولار أمريكي أو أكثر (الشركات أحادية القرن unicorns).

 

حيث تجذب الابتكارات التي يمكن أن تولد عوائد على المدى القصير ونموها سريعٌ جدًا معظم استثمارات رأس المال الاستثماري خاصة تطبيقات تكنولوجيا المعلومات من البرامج والخدمات المتعلقة بالإنترنت والحوسبة السحابية (cloud computing) وتطبيقات الهاتف المحمول والتجارة الإلكترونية.

 

بينما تتلقى الشركات الناشئة ذات التكنولوجيات الجديدة شديدة التعقيد (tough tech) التي تعتمد على العلوم الجديدة ولديها أفق بحثي طويل رأس مال أقل، على الرغم من الحاجة المجتمعية الكبيرة لها، وهذا القدر القليل من الأموال المقدمة للشركات المبتكرة التي تتمتع بإيداعات لبراءات اختراع وأبحاث عالمية متميزة، وتلك التي لديها أبحاث طويلة الأجل ومشاريع مدعومة علميًا، يميل أيضًا إلى التأثير سلبًا على التطور المستقبلي للابتكارات الخارقة الكبرى، وينبع هذا القصور من محدودية عمر شراكة رأس المال الاستثماري (limited partnership funds) التي تترواح من 10 إلى 12 سنة.

 

وفي الأونة الأخيرة، زادت تدفقات رأس المال الاستثماري للاستثمار في شركات التكنولوجيا المتطورة والابتكار غير المدرجة بالبورصة، ففي عام 2018 وحدة، استحوذت الصفقات الضخمة (بقيمة 100 مليون دولار أمريكي وأكثر) على 47٪ من إجمالي رأس المال الاستثماري في الولايات المتحدة بينما حصلت الشركات أحادية القرن على 35٪، بما يقرب من 3000 صفقة لرأس المال الاستثماري وبما يمثل 81.5% من إجمالي قيمة الصفقات بها والتي يزيد مجموعها عن 100 مليار دولار أمريكي، وبالتالي ساهمت في الارتفاع المفاجئ في عدد الشركات أحادية القرن، وهذا النمو في تمويل الشركات أحادية القرن يأتي بسبب صعود منصات التكنولوجيا والأداء الضعيف للشركات الأخرى، والسعي لضخ مبالغ كبيرة من المال في شركة واحدة أو عدد قليل من الشركات للسيطرة على الأسواق وتحطيم باقي المنافسين.

 

حيث نجد أن هذا التركيز الشديد على شركة واحدة يمكّن تلك الشركة من بناء حصتها في السوق وفي ذات الوقت يطرد أيضًا المنافسين الذين لا يستطيعون تحمل معدل الخسارة هذا، مما قد يؤدي إلى إحداث تأثيرات ضارة للمنافسة في السوق على حساب الشركات الأصغر والأكثر ابتكارا في مشروعاتها.

 

كما قامت أيضا صناديق الاستثمار الكبيرة وصناديق الثروة السيادية بالسعي وراء نفس الفرصة لكسب حصة في السوق من خلال التركيز على تمويل عدد محدود من الشركات أحادية القرن أو الشركات المدعومة من الممولين البارزين، حتى وإن صحب ذلك تكبد خسائر كبيرة على حساب الإيرادات أو الأرباح.

 

ولكن نجد أن هذا التمويل الكثيف والعشوائي من رأس المال الاستثماري للعديد من المشاريع التجارية والتي لم يكن لديها خطة عمل أو تكنولوجيا واعدة أو أصلية، قد أدى مؤخرًا إلىفقاعات استثمارية انفجرت في نهاية المطاف، لا سيما عندما تقترن بفشل كبير في الحوكمة، مثلما حدث في سوق رأس المال الاستثماري الصيني.

 

لذلك من المهم الحفاظ على استراتيجيات استثمار متوازنة تشجع على مستوى صحي من رأس المال الاستثماري والاستثمارات في الشركات أحادية القرن، مع تجنب الجمعبين المبالغ الهائلة والحوكمة السيئة لخلق فقاعات.

 

وللحديث بقية،