طارق الشناوي يكتب: "صالون هدى" مسكون بالمحاذير والمحظورات!

الفجر الفني

طارق الشناوي
طارق الشناوي
Advertisements

 

وأنا أشاهد فيلم (صالون هدى) للمخرج هانى أبوأسعد، تذكرت الجدار الفاصل، حيث يعيش أهلنا الفلسطينيون فى دولة تتمتع بحكم ذاتى منقوص وعاصمتها (رام الله)، بينما على الجانب الآخر ترنو فلسطين التاريخية التى يقطنها أكثر من 25 فى المائة من العرب، بالدماء والانتماء، وفى غضون عقدين أو ثلاثة سيشكلون الأغلبية، يحملون الهوية الإسرائيلية، بينما قلوبهم- أو الأغلبية منهم على أقل تقدير- نبض عروقهم فلسطين، الجدار العازل ساهم فى تشييده عمال فلسطينيون، يبحثون عن قوت يومهم، أحد تنويعات الصراع النفسى الذى يعيشه الفلسطينى، وتحت ضغط الحاجة أو الخوف، من الممكن أن يساعد العدو على تحقيق أهدافه.

هذا الخط الفاصل يتماثل مع الجدار فى دلالاته، يرصد المسافة القاطعة، بين الانتماء والخيانة الوطنية، يجب أن نتذكر أن الحقيقة أكثر مأساوية من كل ما نراه أمامنا، وكل ما يصل إليه خيالنا.

(الفلسطينى) الذى وُلد بعد 48 داخل الأرض المحتلة، مضطهد مرتين، فى إسرائيل لأنه عربى، بينما فى عالمنا العربى يلاحقه الاتهام بأنه إسرائيلى، الخيال والتشابك بين الجبهتين هو عمق المأزق، هناك تماس فى العديد من الخيوط بين الفلسطينى والإسرائيلى، تظل لدينا مساحة عصية على الحسم النهائى، تعاملات يومية لمن نصفهم بعرب إسرائيل منذ 48، ووصلنا للجيل الثالث، ولايزال هناك خوف إسرائيلى، أمضى سلاح عربى وهو التغيير (الديموغرافى) السكانى، وكأنها قنبلة توشك على الانفجار، ولهذا تنشط المخابرات على الجانبين لتوجيه ضربات
هنا وهناك.

صراع خفى بين المخابرات الإسرائيلية والفلسطينية، وضع الكاتب والمخرج هانى أبوأسعد يده على العديد من أبعاده، إلا أنه وكعادته يترك دائمًا مساحة من الخيال تظل تلازمك حتى بعد نهاية العرض، لا يقدم إجابات جاهزة، يطلب من المتفرج، قبل أن يهم بمغادرة مقعده، ألا ينسى أن يصطحب معه مزيدًا من الأسئلة.

يُحسب لهانى، ورغم التعقيدات والمواءمات السرية والمعلنة، فهو يعتز بفلسطين وعدالة القضية، ومن الممكن أن تجد أيضًا فى تلك التفصيلة ما يحدد هذا الموقف ودون لبس، الوطن بالنسبة لرسالة الفيلم هو الهوية وهو القلب، وليست هناك أدنى مبالغة.

الأحداث فى (بيت لحم)، حرص المخرج فى (التترات) أن يذكر صراحة، وبين قوسين (المحتلة)، أى أنها العربية الفلسطينية، وهى لمحة قطعًا فارقة، تؤكد العمق الفكرى لصانع الفيلم، الذى تسير أفلامه دومًا على الأسلاك القابلة للصعق، ولكنه ينجو
منها بخبرته.

عدد من الممثلين أصحاب المواهب الاستثنائية كان ينبغى الاستعانة بهم، لتصل الرسالة، منال عوض وميساء عبدالهادى وعلى سليمان وعمر أبوعامر وكامل الباشا، الفيلم يغلب عليه مساحات الحوار، القضية تحمل التباسات متعددة، يتم التعبير عنها بمفردات مباشرة حتى لا يسىء أحد التفسير، وينقلب الأمر
من النقيض للنقيض.

(صالون هدى) ليس مجرد حكاية امرأة تبتز زبائنها النساء من خلال تصويرهن فى أوضاع مخلة، ليصبحن عيونًا وآذانًا على الفلسطينيين لحساب الأعداء، هذا هو فقط الجانب المعلن، بينما الهدف الأعمق هو تحليل البناء النفسى والفكرى لكل الأطياف.

على مستوى اللغة السينمائية ليس هذا هو ذروة إبداع هانى أبوأسعد، الذروة (الجنة الآن)، إلا أنه أكثر أفلامه جرأة فى تناول تلك القضية الملتبسة والشائكة!!.

[email protected]

المقال: نقلًا عن (المصري اليوم).