منال لاشين تكتب: المال السايب فى بر مصر

مقالات الرأي

منال لاشين
منال لاشين

٦ محافظين استولوا على أراضى الدولة لأسباب وطنية

٤ رجال أعمال كبار وراء استمرار التعدى على أرض الدخيلة

الوزارات تتهرب من حصر الشقق والأراضى التى تملكها

 

فى مصر عشق غريب ومفسد لتملك الأراضى والشقق، لا أعرف هل ورثنا هذا العشق من أجدادنا الفراعنة أم أنه موروث فلاحى أو مجرد نتيجة مباشرة لصعوبة الاستثمار للمواطن العادى، فالأرض هى العرض والشقة هى ضمان للابن أو الابنة حتى لو كانوا أطفالًا أو لم يدرسوا فى مدارس وجامعات جيدة، والمصريون فى الخارج يشترون بكل ما يحصلون عليه من ثمن الغربة أراضٍ وشققًا كل عام، ولكن هوس الأراضى وصل فى كثير من الأحيان إلى مسئولين فى الدولة. المصانع التى يتم تصفيتها لمجرد بيع الأراضى الخاصة بها، الاستثمار العقارى للحكومة أكبر ألف مرة من الصناعى أو حتى السياحى. الاستيلاء على أراضى الدولة لم يتقصر على المواطن أو غرض السرقة بالنسبة للمسئول، ولكن ظهرت نوعية جديدة من المسئولين استولوا على أراضى الدولة لأغراض وطنية، وفى عالم الأراضى دهاليز كثيرة وأسرار ربما تعجز لجنة استرداد الأراضى عن الوصول إلى كل الأسرار أو بالأحرى الثروات العقارية للدولة المصرية، ولو دونت كل تجاوزات بعض الموظفين فى حق الدولة من أراضٍ وشقق فى كتاب لفاز بالجائزة الأولى فى فن التهليب والتسقيع والتفويت، وبعيداعن البيانات الدبلوماسية التى تصدرها لجنة الحفاظ على أراضى الدولة برئاسة الدكتور شريف إسماعيل، فإن الحكايات والقصص والتجاوزات تنافس أعظم الأفلام العالمية فى عالم الجريمة والإثارة.

 

الحدود الفاصلة بين محافظات مصر أحد أهم الأبواب للتعدى الرسمى أو التنفيذى على أراضى الدولة. فى ظل فشل بعض المحافظين فى دفع الاستثمار الصناعى أو السياحى أو الزراعى فى محافظته لا يجد المسئول حلا للحصول على أموال للمحافظة إلا الأراضى. ولأن بعض المحافظات لاتتضمن أراضى فضاء، فقد وجد بعض المحافظين حلًا آخر. يقوم المحافظ بالاستيلاء والتعدى على أرض تابعة لإحدى المحافظات المجاورة له، وحتى يثبت المحافظ الأرض لصالح محافظته فيجب التصرف فى الأرض على وجه السرعة، وذلك قبل أن تشكو المحافظة المعتدى عليها لوزير التنمية المحلية أو أى جهاز آخر، والحل هو طرح مزاد للأرض إما عقارى أو سياحى دون دراسات جدوى.المهم أن تقبض المحافظة ثمن الأرض وتخلق أمرًا واقعًا بأحقيتها فى هذه الأرض، وقبل ثورة ٢٥ يناير كان بعض المحافظين يلجأون إلى فبركة المزاد حتى يستولوا على أرض المحافظة المجاورة، خاصة فى ذلك تأخر التصوير الفضائى للمحافظات لترسيم الحدود، وهى عملية أسمع عنها منذ ربع قرن ولا أعرف هل تمت أم أننا لانزال فى معركة الحدود بين المحافظات.

وقد قال لى أحد الخبراء المتابعين لهذا التعدى على أراضى الدولة إن هناك ٦ محافظات على الأقل لجأت إلى أسلوب التعدى على أراضى المحافظات المجاورة وخلق أمر واقع إما بالإسراع بطرح مشروع على الأرض أو فبركة مشروع.

 

إذا كان من الممكن اتخاذ إجراءات مع المحافظات التى سرقت أرض محافظات أخرى، فمع شديد الأسف فإن معاقبة حرامية شقق الحكومة، فبعض هذه الشقق تم إخفاء مستندات ملكيتها للمال العام سواء وزارات أو شركات من المنبع. حكى لى صديق يعمل فى أحد البنوك الكبرى أن البنك اكتشف بالمصادفة أن موظفًا سابقًا استولى على عدة شقق مهجورة اشتراها البنك منذ السبعينيات، وطوال وجود الموظف فى البنك كان يقوم بتأجير الشقق بوصفه مفوضًا من البنك ويأخذ أموال الإيجار، ولكنه قرر أن يستقيل من البنك فاتفق مع موظف آخر على إخفاء مستندات الملكية للشقق ومنحه تفويضًا مزورًا بالتصرف بالبيع، وكاد الاثنان أن يفلتا بالواقعة لولا مصادفة غريبة، فقد زار قيادى سابق مدير الفرع وخلال الحديث عن الاستثمار العقارى ذكر القيادى للمدير أن الفرع كان قد اشترى شققًا فى نفس المنطقة لاستخدامها للتوسع ولأنها كانت (لقطة)، ولكن مشروع التوسع لم يكتمل، وبالبحث اكشتف البنك السرقة، وكان عدد الشقق ٥ شقق فى أفخر منطقة بالقاهرة.

وامتلاك الشقق كان أمر بديهى للعديد من الوزارات والمؤسسات على مدى نصف قرن، وأكبر الوزارات التى تملك شققا فى كل محافظات مصر هى الكهرباء والرى ولكن كل الوزارات تملك شققا وعمارات فى العديد من المحافظات، ومع السنوات وتغير القيادات وعدم وجود رقابة حقيقية وحاكمة على هذه الشقق، ولأن المال السايب يعلم السرقة فإن بعض الموظفين استولوا على هذه الشقق إما سكنوا فيها أو باعوها اعتمادا على عدم وجود متابعة لهذه الشقق من داخل الوزارة. بل وصل الأمر إلى حرق مستندات ملكية الهيئات أو الوزارات للشقق حتى تمحو علاقة الوزارة بالشقق المنهوبة، ولذلك كان وزير الاستثمار السابق الدكتور محمود محيى الدين محقا عندما أنهى ملف شقق التأمينات، وعرض الشقق المأجرة على ساكنيها للبيع بأسعار معقولة، وطرح الشقق الفاضية للبيع بالأسعار العادية. وعلى الرغم من مخاطبة الصندوق السيادى لكل الوزارات والهيئات الحكومية بإرسال قوائم بكل ما تملكه من عقارات أو أراضٍ، إلا أن نسبة الاستجابة لا تزال منخفضة لأن بعض المسئولين إن لم يكن أغلبهم ينظر لملكية وزارته أو مؤسسته للشقق والأراضى على أنها مصدر قوة له، ولذلك أعتقد أننا فى حاجة إلى خدمات الجهات الأمنية والرقابة الإدارية للوصول إلى كل شقق وعمارات الحكومة وشركات قطاع الأعمال والشركات الكبرى على امتداد محافظات مصر.

 

الشكل الثالث من التعدى هو الشكل التقليدى، استيلاء مواطنين على أراضى الدولة، وبالطبع هناك رجال أعمال كبار استولوا على مساحات كبيرة من أراضى الدولة، وهذه الحالة تحتاج إلى اتخاذ إجراءات قانونية سريعة وعنيفة، وبمنتهى الصراحة لم يعجبنى قرار الدكتور شريف إسماعيل رئيس لجنة استرداد الأراضى بما يخص أرض الدخيلة بمحافظة الإسكندرية، وهى تزيد على الـ٥٥ فدانا. فبعد أكثر من مهلة لمحافظ الإسكندرية لإنهاء التعدى لم يتحرك المحافظ ولا تزال الأراضى تحت سيطرة المتعدين عليها، وبدلا من أن يحيل الدكتور شريف إسماعيل الملف للنيابة العامة فورا، اكتفى بتوجيه إنذار بإحالة الملف للنيابة العامة إذا لم ينته التعدى. يا دكتور شريف انزل الإسكندرية واسأل أى إسكندرانى هيقولك إن فى ٤ رجال أعمال بالاسم هم سبب المماطلة والتـأجيل فى شراء الأرض التى استولوا عليها. فى مثل هذه الحالات اضرب يادكتور وبيد من حديد.