مواجهات ساخنة من السادات لمرسى

العدد الأسبوعي

السادات
السادات
Advertisements

كانت الأشجار الكثيفة تحجب القصر إلا قليلا، وتسمح للخيال بأن ينطلق إلى أبعد الحدود حول النبلاء والنبيلات الذين يعملون فى هذا القصر المملوك لأميرة مميزة جدا، أتخيل سكان القصر، فرسان السفر حول العالم والجمل المنمقة والردود الحذرة والابتسامة والتكشيرة تقاس بالملى. فى هذا القصر ظلت وزارة الخارجية تقيم به سنوات طويلة حتى انتقلت إلى مبناها الحديث على كورنيش النيل. أحب القصر أكثر من المبنى الحديث ربما لأن القصر يلائم فكرتى فى ذلك عن العمل بالخارجية ورجالها ونسائها. معظمنا يتصور أن أهل الخارجية أهل الملابس الأنيقة وليسوا أهل حرب ولا بتوع مشاكل إنهم أصحاب الحلول الوسط وعدم التدخل العنيف.. ملوك البروتوكول والإتيكيت، ولكن قد لا يعرف الكثيرون الآن أن وزارة الخارجية هى الوزارة الوحيدة فى مصر التى شهدت أعنف معركة مع رأس السلطة. هذه الوزارة التى نحتفل هذا العام بمرور مائة عام على إنشائها شهدت استقالة ثلاثة وزراء فى أقل من عام وانسحاب وفد رئاسى من حفل توقيع أخطر اتفاقية فى تاريخ مصر، واستقالة عدد من السفراء البارزين، وتهديد آخرين بالاستقالة، فمدرسة الخارجية المصرية العريقة المحترمة لم تتهاون يوما فى حق ما اعتبرته واجبا وطنيا، ولم تحد عن حماية الأمن القومى لمصر، وبعد أكثر من ثلاثين عاما أتى جيل الأبناء فى هذه العائلة الدبلوماسية ليؤكد على وطنية الدبلوماسية فى بلدنا.

 

تفجرت المعركة الأولى حينما صمم الرئيس السادات على الذهاب للقدس والانفراد بالاتفاقية- كامب ديفيد- دون الاستماع إلى كل أهل الخارجية، ولذلك ظلت هذه المعركة مستمرة لفترة طويلة لأنها كانت معركة ضد تغيير مبادئ الأمن القومى لمصر.

فعلى حين غرة وفى مفاجأة صادمة قرر الرئيس الراحل السادات قبول الدعوة بزيارة القدس، وقد جاءت الدعوة عبر السفير الأمريكى وشارك فى ترتيبها الفنان الكبير العالمى عمر الشريف، وكان من بين من تلقوا المفاجأة وزير الخارجية فى ذلك الوقت إسماعيل فهمى، وبعد جلسة قصيرة مع السادات لم يقتنع بأسبابه وقدم استقالته قبل ٤٨ ساعة من السفر للقدس.. حاول السادات التصرف بسرعة فوكل إلى نائبه مبارك مقابلة الوزير الجديد السفير محمد رياض، وأعلن التليفزيون خبر تعيينه، ولكن الوزير لم يستمر فى منصبه ساعتين، فقد كان رياض مضطربا ومتشككا فى الأمر، وقال لمبارك: أنا مش عارف المطلوب منى إيه وعندى تساؤلات حول الزيارة، فاعتبر السادات ذلك التساؤل الغاضب رفضا، وأعلن بسرعة استقالة رياض تليفزيونيا، وهنا تعددت الحكايات.. الأولى أن السادات لم يجد وزير خارجية يرضى بهذا المنصب أو بالأحرى للذهاب إلى إسرائيل، فكلف رئيس الحكومة الدكتور مصطفى خليل بتولى الوزارة، على أن يساعده بالإنابة الدكتور بطرس غالى الكبير، وقيل إن السادات اعتمد بشكل بالغ على الدكتور أسامة الباز، ويكاد يكون الباز هو الوحيد الذى صمد مع السادات حتى اتفاقية كامب ديفيد فى أمريكا. بعد ذلك اختار السادات سفيرا ذى تاريخ سياسى، وشارك فى شبابه فى قضية مقتل أمين عثمان الشهيرة وسجن مع السادات قبل الثورة فى زنزانة واحدة، وهو السفير محمد إبراهيم كامل، ولم يكن كامل معترضا على توقيع عقد سلام مع إسرائيل من حيث المبدأ، ولكنه رفض التنازلات العديدة التى قدمها السادات لأمريكا وإسرائيل، ولم يحتمل الرجل فقدم استقالته بعد مرور عشرة أشهر على تعيينه وزيرا، وكانت الاستقالة قبل توقيع الاتفاقية بساعات، وفى كتابه «السلام الضائع كامب ديفيد» أعلن كامل أن المشكلة لم تكن فى إسرائيل أو أمريكا بل فى السادات نفسه، ويكمل قد احترت فى تفسير ما جرى، هل انهار السادات أم التكنولوجيا الأمريكية سيطرت عليه؟، وبالنسبة لكامل فإن المعاهدة كانت مذبحة تنازلات.

ولم يقتصر الرفض على الوزراء فقط، فقد رفض وكيل وزارة الخارجية السفير الدكتور أحمد عثمان المشاركة فى فريق أو لجنة التفاوض وهدد بالاستقالة لو تم إجباره على المهمة.

وقدم سفيرنا فى البرتغال استقالته اعتراضا على المعاهدة، ورفض أكثر من عشرة سفراء الذهاب لإسرائيل للعمل فى سفارتها.

 

والحقيقة أن العلاقات بين الرئيس السادات وفريقه المرافق فى كامب ديفيد قد تحولت إلى حرب أهلية، حسب مقربين من إبراهيم كامل، فإن السادات قد طرد الوفد المصرى من كوخه بسبب اعتراضات أعضاء الوفد على بعض البنود وطريقة التفاوض.

أما شهادة السفير نبيل العربى فترسم صورة قاتمة للعلاقة بين السادات والفريق، والعربى يعد نسيبا للسادات لأنه ابن عمة السيدة جيهان، وقد شارك العربى فى مفاوضات كامب ديفيد، وقد اختار بطرس غالى لأنه يعرفه فضلا عن كونه يشغل منصب مدير الإدارة القانونية بالخارجية، ويروى العربى أنه كتب ملاحظات على الصيغة النهائية على الاتفاقية وأعطاها للوزير إبراهيم كامل، فقال له الوزير إنها تعبر عنهم، وطلب منه أن يذهب هو للسادات، وأضاف كامل: خذ حد معاك، فرفض جميع أعضاء الوفد الذهاب معه للسادات، وأخبره الباز أن السادات عصبى من يومين، وأخيرا ذهب العربى للسادات بمفرده فرفض كل ملاحظات الوفد. ويروى العربى أن كل أعضاء الوفد نتيجة لموقف السادات المنفرد فى المفاوضات قد رفض حضور توقيع الاحتفال بتوقيع الاتفاقية فى البيت الأبيض ما دفع الصحف. الإسرائيلية للقول بأن الوفد المصرى قدم استقالة جماعية، وبحسب شهادة العربى، فإن الدكتور أسامة الباز هو الوحيد من بين أعضاء الوفد الذى حضر اللقاء بين السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلى مناحن بيجم، فى حين رفض السادات حضور وزير خارجيته إبراهيم كامل هذه الجلسات المنفردة، وروى العربى أنه حاول أن يقنع السادات بإرسال مدير الجامعة العربية فى ذلك الوقت محمود رياض مبعوثا للدول العربية وانتظار التوافق، فرفض السادات وقال له: هاوقع يعنى هاوقع، وهذا ما حدث بالفعل.

 

لم تكن معركة كامب ديفيد هى المواجهة الوحيدة بين الخارجية والسادات، فقد حدثت مواجهة أقل قوة وانتشارا. روى الكاتب الكبير الراحل أحمد بهاء الدين فى كتابه «محاوراتى مع السادات» قصة هذه المواجهة، فقد قرر السادات تغيير العيد القومى لمصر، واختيار يوم ٦ أكتوبر بدلا من ٢٣ يوليو. وصدرت تعليمات سرية للسفراء بعدم الاحتفال بذكرى ٢٣ كعيد قومى. ورفض العديد من السفراء تنفيذ هذه التعليمات، وحين وصل الأمر لبهاء، قرر أن يقابل وزير الدفاع ويخبره بالأمر، فرفض الرجل فكرة السادات، وذهب لمقابلته وقال للسادات: لقد اتفقنا أن يكون ٦ أكتوبر هو عيد النصر، و٢٣ يوليو هو العيد القومى لمصر والدول لا تغير عيدها القومى، وكان قرار السادات ضمن حلقة من سلسلة محاولاته لمسح كل تراث سلفه عبد الناصر.

 

وبعد أكثر من ٣٠ عاما كرر كبار وشباب أهل الخارجية اشتباكهم مع السلطة مرة أخرى، ومع سلطة مختلفة ورئيس مختلف، وكانت هذه مرة سلطة الإخوان المسلمين ورئيسهم محمد مرسى، وكانت الخارجية هى الوزارة الوحيدة التى صدر عن أبنائها بيان وقعه ١٢٩ من العاملين السابقين والحاليين، ووصل العدد إلى أكثر من ذلك لأن الكثير من السفراء والدبلوماسيين فى الخارج أرسلوا يطالبون بالتوقيع على البيان، وفى هذا البيان الثورى أكد الموقعون على البيان من أبناء وزارة الخارجية انحيازهم الكامل للشعب، الذى يتشرفون بتمثيله، والذى يتمم أمام العالم حلقة من حلقات تاريخ كفاحه المشرف عبر آلاف السنين، وعملًا بمبادئ ثورة يناير وأهدافها، التى نحرص عليها كدبلوماسيين مصريين، وحرصا على بقاء مصر وطنا للجميع نطالب بالاستجابة لتلك المطالب العادلة بما فى ذلك اللجوء المبكر إلى الآليات الديمقراطية لتحكيم الإرادة العامة للشعب مصدر السلطات فى شأن رئاسة الدولة حقنا لدماء المصريين بلا تفرقة.