د. أحمد عبدالوهاب يكتب: "الطفل ريان وعمارة الإنسان"

مقالات الرأي

الدكتور أحمد عبدالوهاب
الدكتور أحمد عبدالوهاب

عجت وسائل التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة بقصة الطفل المغربي ريان ذي الأعوام الخمس الذي خرج لِلَّعَبِ بجوار منزله فسقط في بئر موحشة يبلغ عمقها أكثر من ثلاثين مترًا.
حالة من الألم والقلق والحزن والتأمل والدعاء في آن واحد انتابتنا جميعا تضامنًا مع الطفل وأهله والإنسانية جميعا. وضع كل منا نفسه وطفله مكان ريان وأهله وخوفهم من فقده مع تعلقهم بقشة في عرض الماء. 
ثم كانت لحظات قليلة من الفرحة والبهجة بعد نجاح المحاولات الشاقة لإنقاذ الطفل ريان من تلك البئر الموحشة. لكن -سبحان الله- لم تدم تلك اللحظات طويلا ومات الطفل بعد خروجه، وكأنه نجاه الله فقط ليودع أهله والعالم ويرسل رسائل لم ينطقها لسانه، ثم يعود إلى ربه. 
لله حكمة في بقائه حيًّا رغم اجتماع كل أسباب الموت، ولله حكمة في موته بعد الوصول لنجاته. يظن البعض أن ما حدث رسالة تذكرنا بإنسانيتنا لنصرة الإنسان في أي مكان. بارقة أمل لصحوة ضمائرنا لنتذكر ونتأمل؛ كم من ريان بحاجة للإغاثة في عالمنا؟!


كم من ريان في المخيمات شرقًا وغربًا يموتون جوعًا وعطشًا وبردًا وحرًّا وخوفًا؟! الفارق أنه لم يفكر أحد فيهم ولم يذهب أحد لإنقاذهم منذ سنين طوال. كلهم بحاجة لصحوة الإنسانية لنتذكرهم ليس فقط بالدعاء ولكن بالعمل. فهل حان الوقت لنفعل ذلك؟ 
كم من ريان قُتل عمدًا في الحروب بأسلحة صنعها بنو الإنسان، كم من حصار لشعوب عُزَّل يموت أطفالها كل يوم دون ذنب اقترفوه.  فهل حان الوقت لوقف هذا؟ 
ريان كان حالة نادرة اجتمعنا عليها خلف الشاشات بالدعاء مقرونة بالعمل وبأخذ أسباب النجاة، فنرجو أن تكون بداية لصحوة ضمير الإنسان لرفع الظلم ونصرة كل ريان في كل مكان. 
فلنبحث عن كل ريان مات وهو حيٌّ بيننا؛ عن كل ريان أماته الفقر فلم يجد ملجأ مناسبًا، ولا تعليمًا مناسبًا، ولا رعايةً صحيًة، ولا نصيرًا ولو بالكلمة الطيبة، فمات بقلبه حتى إن بقي جسده ينبض. فلنبحث عنهم لإحيائهم، لإحياء أرواحهم؛ فإن مَن أحياها (بالجسد والروح) فكأنما أحيا الناس جميعا. 
ما حدث رسالة تذكرنا بإعادة بناء ونصرة الإنسان، أي إنسان لا يهم شكله أو لونه أو عرقه أو دينه. تذكرنا بمحطتنا الكبرى، وأنه لا شيء يستحق لهثنا في هذه الدنيا إلا لعمل الخير، وإعمار الأرض لا خرابها، وأولى خطوات البناء والإعمار هي بناء وعمارة ونصرة الإنسان، فإن صَلُحَ، صَلُحَ باقي البناء، وإلا فمن أجل ذلك كتبنا. 
 ما حدث رسالةٌ تذكرنا أنه لا شيءَ يستحق أن يَظلم أو يَخذُل الإنسانُ أخاه الإنسانَ؛ فكلنا يوما إلى الله- بلا مال أو جاه أو سلطة- راجعون. 
رحم الله الطفل المغربي ريان وربط الله على قلوب أهله جميعًا.