د. رشا سمير تكتب: الشيخ محمد الغزالي في طرح معتدل لمكانة المرأة في الدين الإسلامي

مقالات الرأي

بوابة الفجر
Advertisements

              

في ظل ما تقدمه الشاشة الفضية من خلال دراما رمضان هذا العام من طرح لقضايا المرأة في قانون الأحوال الشخصية أثناء الزواج وبعد الطلاق من خلال مسلسل فاتن أمل حربي الذي يطرح قضية المرأة الحاضنة وما يترتب بعد طلاقها من مهازل إنسانية تمنعها من تربية أطفالها، وتمنع عنها حق الولاية التعليمية وأحيانا تصل إلى بيت الطاعة، أصبح السؤال واجبا..على من نطلق الرصاص؟

هناك هجوم ضاري على الطريقة التي فسر بها علماء الدين الآيات القرآنية والسنة النبوية طويلا مما أدى إلى التفسير الهوائي للكثير من الأشياء مما أصاب المجتمع بالربكة والحيرة.

هل كرم الإسلام المرأة أم قرر أن يحسبها في قفص ناقصات العقل والدين؟!.

هنا وجب علينا أن نلقي الضوء على كتاب أحسبه من الكتب الهامة كمرجعية بشأن هذا الصدد وهو كتاب (قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة) للشيخ محمد الغزالي الصادر عن دار الشروق للنشر في 159 صفحة. 

الدعوة والداعية:

الشيخ الغزالي رجل عُرف عنه تجديده فى الفكر الإسلامى ورفضه للتشدد والغلو فى الدين، كما عُرف بأسلوبه الأدبى فى الكتابة واشتهر بلقب أديب الدعوة..

توفى الإمام محمد الغزالى يوم 9 مارس 1996م فى مدينة الرياض بالسعودية أثناء مشاركته فى مؤتمر حول الإسلام وتحديات العصر، ودفن بمقبرة البقيع بالمدينة المنورة، بجوار صحابي الرسول صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين.

يُعد الغزالي من أبرز الدعاة المدافعين عن اللغة العربية في هذا العصر، فكان يقول في كل المناسبات: «اللغة العربية في خطر، أدركوها قبل فوات الأوان» ولو أدرك هذا الزمان لعرف أن نبوءته قد تحققت!.

كعادتها إهتمت دار الشروق المصرية بإعادة طبع المجموعة الكاملة للكتب التي كتبها الشيخ محمد الغزالي متناولا فيها قضايا الإسلام وتفسير القرآن وطرح وجهات النظر الدينية ومناقشتها بشكل متوازن ومعتدل..

من ضمن العناوين الصادرة للشيخ الغزالي عن دار الشروق للنشر:

(( المحاور الخمسة للقرآن الكريم/ قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة/ فقه السيرة/ السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث/ تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل/ هذا ديننا/ نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم)) 

الواقع أن الشيخ محمد الغزالي كان رجلا سمحا يمثل الإسلام المعتدل، لم يجبر بناته يوما على شئ، بل كان يناقشهن ويحاول دائما إقناعهن بالحسنى وبالود..

حتى يوم أن تقدم لطلب يد إبنته عفاف الغزالي، الصحفي محمد عبد القدوس نجل الكاتب الذي عُرف عنه دفاعه عن المرأة وقضاياها وصُنف قلمه بأنه تقدميا في حقبة زمنية لم تُنصف فيها المرأة، وهو الروائي إحسان عبد القدوس، لم يمانع أو يرفض مثل أي رجل دين متشدد، بل طلب أن يجلس مع إحسان ويناقشه، وبعد حوار طويل وتبادل موضوعي لوجهات النظر لم تُصبح العلاقة بين الشيخ الغزالي وإحسان مجرد علاقة نسب بل أصبحا صديقين. 

من هنا قرر أن يكتب عن قضايا المرأة ويفسرها كما كان يحلو له تفسيرها لبناته هدى، إلهام، سناء، عفاف، ومنى.

هل الإسلام متهما؟

في مقدمة كتاب (قضايا المرأة) كتب يقول:

الإسلام مُتهم بإهانة المرأة وإستضعافها، فهل في كتاب الله وفي سنة رسوله ما يبعث على التهمة؟ القرآن قاطع في أن الإنسانية تطير بجناحين، الرجل والمرأة وأن إنكسار أحد الجناحين يعنى التوقف والهبوط.

ثم يعود ليطرح تساؤلا واجبا:

" لحساب من يعلو صوت الإسلام في قضايا هامشية ويخفت خفوتا منكرا في قضايا أساسية؟"

إن وجه الإسلام جميل ولكنه من خلال كلمات البعض يبدو دميما متهجما، وإنه لمن حسن العبادة أن تسكتوا فلا يسمع لكم صوت! أن أي كلام يفيد منه الإستبداد السياسي أو التظالم الإجتماعي أو العطن الثقافي أو التخلف الحضاري لا يمكن أن يكون دينا، إنه مرض نفسي وفكري والإسلام صحة نفسية وعقلية.

في هذا الفصل يؤكد الشيخ الجليل على أن الإسلام ليس متهما بل على العكس الإسلام كرم المرأة ورفعها فوق الأعناق إلا أن دعاة التشدد قرروا أن يقدموا التفاسير كما يحلو لهم! فلماذا لا نعود إلى الأصل؟!.

المرأة المُكرمة:

إنني أحذر على الإسلام صنفين من الناس: " المكذبون به والجاهلون به..المكذبون به من أعدائه والجاهلون به من أصدقائه" هكذا يبدأ الشيخ الغزالي أطروحته.

فاطمة بنت محمد (ص) طحنت بالرحى حتى ورمت يدها أو حملت الماء في القرية حتى كل كتفها، وهو ما يعني أن تلك السيدة الفضلى لم تكن أنثى تخدم ذكرا بل كانت أما مؤمنة تقيم بيتا يربو فيه اليقين والحب، فهي تقدم لرجلها وولدها نفسها وما تملك.

لم يكن هناك رب بيت يصدر أوامر وإمرأة ذليلة تنفذ، بل أن هناك شريكان يتقاسمان السراء والضراء.

لماذا لا نعود إلى موقف الرسول عليه الصلاة والسلام من جميلة بنت أوس عندما جاءته تشكو بقاءها في بيت الزوجية لا لشئ إلا لأنها تكره هذا الزوج وتعاف عشرته، فإذا بالنبي (ص) يقول لها: لقد أعطاك زوجك حديقته مهرا، فهل تردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم..فأمر الرجل فطلقها.

إن الأسرة لا تقوم على إمرأة تبغض زوجها وتشتهي مفارقته ومن هنا قال الله تعالى في كتابه المجيد: (( فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)) صدق الله العظيم

هل قوامة الرجل على بيته تعني منحه حق الإستبداد والقهر؟ بالقطع لا..

حدود الله:

هناك كلمة تكررت في القرآن ست مرات هي كلمة: "حدود الله"

ماهي تلك الحدود؟ هي الضوابط التي تمنع الفوضى والإستخفاف والإستضعاف، ضوابط الفطرة والعقل والوعي التي تقيم موازين القسط بين الناس..

يرى الشيخ الغزالي أن إرتفاع المستوى الفقهي والخلقي والسلوكي للرجل والمرأة يوطد أركان الإسلام داخل البيت وخارجه، ويجعل المرأة تبسط سلطانها في دائرتها، كما تتيح للرجل أن يملك الزمام حيث لا يصلح غيره للعمل في زحام الحياة.

ويقول تعالى في صفة المسلمين: (( وأمرهم شورى بينهم))

عموم الآية يتناول الأسرة والمجتمع، فالرجل له الكلمة الأخيرة بعد الشورى والتشاور ما لم يخالف بها شرعا أو يجحد بها حقا.

الإنفاق في البيت معصوب بجبين الرجل فقط وأن إنفاق المرأة في البيت مسلك مؤقت وتطوع غير ملزم.

ذات يوم ناقشته إمرأة غاضبة وقالت له: " أإذا غضب مني زوجي في حوار أكون فيه صاحبة حق، حُرمت من رضوان الله ولعنتني الملائكة و..و.."

قاطعها على عجل وأفهمها أن الحديث الوارد في شأن آخر بعيد عما تتوهمه..الحديث ورد في إمرأة تعرض زوجها للفتنة لأنها تمنعه نفسها، وهو لا يستغنى عنها..هذا هو المراد!.

إن الإسلام يقوم على حقائق الفطرة والعقل، لأن فطرة الله هي التي فطر عليها الناس.

أبغض الحلال ولكنه حلال:

مع ثبوت الخُلع في الكتاب والسنة، هناك جملة من المشتغلين بالفقه يتجاهلونه ويرفضون إنهاء عقد الزواج بالفسخ أو بإيقاع الطلاق وبعضهم يدخل في الطلاق للضرر.

بعض المتشددين يرون أن الطلاق نكبة وأنه لا يجوز أن يقع لضمان تماسك الأسرة، إلا أن الواقع يقول أن الضرر النفسي الذي يقع على الزوجة يمنعها من القيام بدورها كأم بشكل مُرضي.

كان هناك عهد تقوم فيه الأسرة بتهريب الزوجة إلى مكان بعيد فرارا من تنفيذ حكم القضاء. 

يؤكد الشيخ الجليل على أن الاسلام دون جدال هو دين العدالة والرحمة، ومن تصور أنه يأمر بإسترقاق الزوجة والإطاحة بكرامتها فهو يكذب على الله ورسوله.

ولا يجوز للرجل أن يحرج إمرأته ليكرهها على طلب الخلع أو إساءة عشرتها لتطلب الفكاك من أسره بأي ثمن.

يستشهد الكتاب بما قاله الشيخ سيد سابق في كتابه الجليل (فقه السنة)

(( يُحرم على الرجل أن يؤدي زوجته بمنع بعض حقوقها حتى تضجر وتختلع نفسها، فإن فعل ذلك فالخُلع باطل والبدل مردود ولو حُكم به قضاء))

ثبوتا لما قاله الله تعالى في كتابه المجيد:

(( يا أيها الذين أمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن)) صدق الله العظيم.

وختاما:

الحقيقة أن هذا الكتاب تطرق إلى كل ما يخص أحوال النساء من تفسيرات خاطئة وقدم محاولة جادة لتقويمها وإعادة هذه التفاسير إلى نصابها الصحيح مرة أخرى.

مواضيع عدة مثل: معنى القوامة، في ضرب الزوجات وحكم الشرع، وفكرة أن الزواج للمرأة وسيلة وليس غاية، ثواب الإنفاق على البيت، حُرمة صوت المرأة إشاعة كاذبة، لا تمنعوهن من المساجد، المرأة في العلم والأدب، الدور الغائب للمرأة.. وغيرها من الموضوعات التي تستحق التوقف عندها.

إنه كتاب يستحق أن تقتنيه كل أسرة مصرية وهو في النهاية دعوة لإعمال العقل والقلب قبل أن يتم الحكم على النساء بالإعدام الكاذب من شرذمة متشددة لا تُحسب بأي حال من الأحوال على الدين الإسلامي.

رحمة الله على الشيخ محمد الغزالي الذي رحل وترك ورائه إرثا هائلا من العلم والمعرفة.

                                         [email protected]