ربيع جودة يكتب: عينة دم

مقالات الرأي

ربيع جودة
ربيع جودة
Advertisements

كنت في السابعة من عمري حين أوقفونا صفًا واحدًا لأخذ عينه من الدم.. وقد أحضروا جهازا  لونه اسود يجلس خلفه رجل حاد الملامح.. يتحرك حركات محسوبة وينظر من فتحتي الجهاز وكأنه يبحث عن ضالته.. علي الجانب الآخر تجلس الممرضة وبجوارها شرائح زجاجية.. وتحمل في يدها أداة حاده.. حتي إذا ما جاء دور أحدنا.. أخذت إبهامة ووخذته بعنف. فيسيل دمه وكأنما نالت منه.. كنت أرتعد كلما اقترب دوري.. وكل محاولات الهرب باتت مستحيلة.. حتي حان وقتي.. وقد علت أنفاسي وتسارعت دقات قلبي.. ولم اجد مفرًا سوي إغماض عيني..  لازلت اذكر تلك الرائحة.. حين اختطفتني يد الممرضة.. وبإحكام قامت بالضغط على إبهامي.. وشاكته حتي سال منه الدم..  العجيب أني لم أشعر بشيء من ذاك الألم المتوقع.. والذي رسمه خيالي الخائف المرتقب.. انقضي الأمر في لحظة لم أكن  ذلك الشخص الذي ارتعدت أركانه في اخر الصف.. ولم أعرف تفسيرًا وقتها.. لكن.. وبعد زمان.. مررت فيه بكل أشكال الخوف.. وبكل أصناف السعادة.. عرفت أن شيئًا ما يحدث داخلي حين تقع الواقعة.. شيء يتسلل إلى قلبي وعقلي.. يطيح بكل ما رسمه الخيال من تشاؤم.. حتي في لحظات السعادة.. أدركت أنني  لو ظللت علي تلك الحالة من التأهب والسرور والغبطة.. حين أجد ما اشتهي.. سينفطر قلبي فرحًا.. لكن سرعان ما أجده عاديًا يمر وينقضي.. عرفت مفهوم السعة.. حين يقسم رب البرية.. لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.. إنها ولاية الله للعبد الأعزل الضعيف.. الذي يعلم جهره وسريرته وما يدور في خلجه.. فيربط علي قلبه المرتجف حين يواجه ما يحذر
وأرجو القدير.. أن تكون مفارقة الحياة سهلة يسيرة.. كوخذة فوق ابهامي  .. ليست كما يدعي عقلي.. وترسم أهوالها نفسي.. فيكون اللقاء.. متعة تنسي القلب سنوات الخوف والشقاء.