خبير آثار في عيد الوفاء: لولا النيل ما كان الهرم الأكبر

أخبار مصر

بردية وادي الجرف
بردية وادي الجرف

يحتفل المصريون يوم 15 أغسطس في كل عام بعيد وفاء النيل الذي كان معروفًا في القدم وعبر العصور، وكانت له أهمية بالغة في حياة المصريين وكتب عنه ووصفه مؤرخو مصر فى العصور الوسطى.

 

أعظم آثار العالم

وعبر السطور علاقة أعظم آثار العالم وهو الهرم الأكبر بنهر النيل، فلولا النيل ما كان الهرم حيث نقل حجر الصوان المستخدم في الحجرات الداخلية من أسوان التي تبعد 858 كم عن الجيزة عبر النيل ونقل الحجر الجيري المستخدم في تغطية الهرم من طرة التي تبعد 13 كم عن الجيزة عبر النيل
ونعود للسؤال المستمر معنا عبر العصور ولن يتوقف من بنى الهرم الأكبر؟ قدماء المصريين أم الجن أم الكائنات الفضائية أم قوم عاد أم بنى إسرائيل، هكذا كتبت المؤلفات ونشرت الأبحاث وتناقلت وكالات الأنباء ونسجت الأفلام الوثائقية والروائية ولن تتوقف بالطبع لتشويه صورة أعظم حضارة باقية أنجبتها الإنسانية.

وادي الجرف 

ويشير خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو المجلس الأعلى للثقافة لجنة التاريخ والآثار إلى أعظم اكتشاف في مصر في القرن الحادي والعشرين وهى برديات وادى الجرف، حيث اكتشف عام 2013 مجموعة رائعة من البرديات عند مدخل الكهوف في ميناء وادي الجرف ودُفنت بين الكتل الحجرية التي استخدمت لإغلاق الكهف بعد الانتهاء من العمل.

بعثة مشتركة 

والتى نتجت من أعمال حفائر بعثة مشتركة من جامعة السوربون وجامعة أسيوط والمعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية IFAO، في موقع وادي الجرف بالقرب من الضفة الغربية لخليج السويس  وقد كشفت عن شبكة من الكهوف منحوتة في الجبل، كانت بمثابة ورش ومخازن ومساكن، وقد اكتشف هذه البرديات وترجمها عالم المصريات الفرنسي ورئيس الجمعية الفرنسية لعلم المصريات بيير تاليه وفريقه  عام 2013 وهى محفوظة الآن بالمتحف المصرى بالتحرير، وقد أكدت هذه الاكتشافات استخدام موقع وادى الجرف في عهد الملك خوفو وفريق العمل الذي عمل في هذا الموقع هو نفسه الذي عمل فى بناء الهرم الأكبر مما يدل على القدرة الكبيرة للهيئة الإدارية في عهد هذا الملك.
وقد نشرت صحيفة "اكسبريس" البريطانية بأن هذا الكشف يسلط الضوء على بردية تخص موظف كبير يدعى "ميرير" يروي يوميات فريق العمل الذي قام بنقل كتل الحجر الجيري من محاجر طرة على الضفة الشرقية لنهر النيل إلى هرم خوفو عبر النيل وقنواته، وأنه كان مسؤولًا عن نقل الأحجار الضخمة من المحجر إلى الجيزة، كما أكد الكشف استخدام الملك خوفو فرقًا من النخبة من العمال الذين يؤدون مهامًا مختلفة لاستكمال رؤيته للهرم الأكبر.
وتنوه الباحثة الآثارية ريم جمال إلى أن ترجمة البرديات تكشف أن الملك خوفو قسّم عماله إلى فرق ذات مسؤوليات وأهداف واضحة شكّلت قوة عاملة ضخمة وتضم كل فرقة 160 رجلًا وتنقسم إلى أربع مجموعات تضم كل مجموعة 40 رجلًا مثل التي قادها المفتش «ميرير» وركّز الملك خوفو على فرق النخبة ولم يكن لديه عمالة عامة، وقد كُتبت البرديات بواسطة فريق من البحارة الذين عملوا في الميناء القديم وتحتوي على حسابات للبضائع التي تم تسليمها للعمال وسجلات لأنشطتهم اليومية على مدى عدة أشهر.

ترجمة النص 

وأردفت ريم جمال أن النص مكتوب بالهيروغليفية والهيراطيقية على ورق البردي ويعود إلى السنة السادسة والعشرين من حكم الملك خوفو وقد كتب على النحو التالي: يتم ترتيب جميع إدخالات دفتر السجل على نفس السطر.  يوجد في الجزء العلوي عنوان يسمي الشهر والموسم،  يوجد أدناه خط أفقي يسرد أيام الأشهر،  أسفل إدخالات الأيام  يوجد دائمًا عمودان يصفان ما حدث في تلك الأيام (القسم ب 2): [اليوم الأول] تم إلقاء المدير السادس إدجيرو من مصر الجديدة في قارب نقل لجلب الطعام من مصر الجديدة أثناء تواجد النخبة في طرة، المفتش ميرير يقضي اليوم الثاني مع قواته في إطلاق الحجارة شمال طرة.  قضاء الليل في شمال طرة.  

موقع وادي الجرف 

وتابع الدكتور ريحان بأن موقع وادى الجرف شهد العديد نمن الاكتشافات الأخرى من الجرار الحجرية لتخزين الطعام والماء تحوى أسماء أشخاص أو قوارب مكتوبة بالحبر الأحمر للإشارة إلى أصحابها وتتميز هذه الأواني بتكوين خاص جدًا من "المارل" وهو الطين الحجرى وكانت تصنع منه الأوانى فى مصر القديمة تم تحديده بالفعل في سياقات الأسرة الرابعة في أماكن أخرى،علاوة على أجزاء من المنسوجات والخشب ومجموعة من مئات قطع البردي، ووادى الجرف هو ميناء على البحر الأحمر كان يستخدم في بداية الأسرة الرابعة في مصر القديمة للوصول إلى مناجم النحاس والفيروز في الجزء الجنوبي الغربي من شبه جزيرة سيناء
ويؤكد ريحان بما لا يقبل الشك أن الملك خوفو هو أول من أمن العمال ضد البطالة فى التاريخ واتسم عصره بأنه أزهى عصور الدولة القديمة وكان عهد رخاء وازدهار، مشيرًا إلى أن المؤرخين وضعوه فى قائمة عصور مصر الذهبية وأطلق عليه "العصر الفيروزى" نسبة لمناجم الفيروز التي اكتشفها بسيناء، وقد استفاد من أوقات البطالة البعيدة عن موسم الحصاد والري والزراعة وهى مواسم العمل في مصر القديمة ليقوم العمال بأعمال قومية عظيمة وأعمال إنتاجية ساهمت فى الازدهار الاقتصادى فى كل مناحى الحياة 
ونفى ما ذكره المؤرخ هيرودوت عن بناء الهرم بالسخرة، مؤكدًا أن بناء الهرم كان مشروعًا قوميًا وأنه وغيره من بيوت العبادة فى مصر القديمة نفذت طبقًا للقواعد التي أرساها إيمحوتب معبود الطب والهندسة وأول من استعمل الحجر فى البناء ووضع نظرياته الإنشائية.
وأشار إلى أن هذه القواعد تنسب لمتون العقيدة، وهى أن المساهمة فى بناء تلك البيوت نوع من أنواع العبادة وركن من أركانها إما بالمساهمة بالمال أو العمل فى التشييد أو تقديم القرابين والذبائح التي كانت تصرف كتموين وإعاشة للعمال كنوع من التكافل الاجتماعى ومساهمة كل الشعب فى المشاريع القومية بوازع دينى وحب لهذا الإنجاز، مؤكدًا أن السخرة لا تنتج أعمال عظيمة خلدها التاريخ كالأهرامات والمعابد المصرية.
وأوضح أن العمال كانوا يتسابقون طواعية فى العمل على قطع الأحجار من المحاجر ونقلها والاشتراك فى أعمال البناء، وقبل البدء فى بناء الهرم قامت الحكومة ببناء مدينة للعمال والفنيين وسوقًا للتموين ومخبزًا ومخازن للغلال.
ونوه الدكتور ريحان إلى إن مدينة عمال بناء الهرم تعد أول مدينة عمالية فى التاريخ تبنى بطريقة الإسكان الجاهز أو سابق التجهيز حيث تم توحيد نماذج تصميم المساكن لمختلف طبقات العمال والفنيين بتوحيد الأبعاد القياسية والأبواب والشبابيك والأسقف ليسهل تركيبها وفكها وبعد انتهاء بناء الهرم أهديت هذه الوحدات للعمال لتركيبها لهم فى قراهم وهو ما وصفه مؤرخو عصر الأهرام بنهضة تعمير القرى.
ولم يكتف الملك خوفو ببناء الهرم بل قام بتشغيل العمال فى مشاريع تنموية أخرى وأشركهم فى حملاته الفنية لاكتشاف مناجم الديوريت فى أسوان والذهب فى النوبة وخرجت أساطيل مصر التي خلفها سنفرو والد خوفو لتجوب شواطئ البحر الأبيض لتنقل أخشاب الأرز والسرو من بيليوس ليكون أول اتصال فى التاريخ بين مصر وبلاد الإغريق
وأن الحملات البحرية للملك خوفو وصلت لتجوب شواطئ البحر الأحمر وشرق إفريقيا لتجلب لمصر البهارات والبخور اللازم للمعابد وكذلك أخشاب الصندل والأبنوس وريش النعام والحيوانات النادرة والعاج الذي صنع منه التمثال الوحيد المكتشف للملك خوفو.
وعند تولى خوفو الحكم أعلن عقيدة توحيد المعبود " أوزوريس رع" والذى نادى به إيمحوتب دينًا رسميًا للدولة وأطلق كل من ملوك أسرة بناء الأهرامات اسم المعبود رع على أسمائهم (ددف رع – خفرع – منقرع – ساحورع) وبنوا لإيمحوتب مجموعة من المعابد والمزارات فى أنحاء الوادى واحتفلوا رسميًا بأعياده الذى بدأها خفرع.