محمد سويد يكتب: “النقي الأمين...“

مقالات الرأي

محمد سويد
محمد سويد

عندما يؤذَن للأنقياء الطيبون بالارتقاء، تَنضبُ الأرض شيئًا فشيئًا، وكيف لا..؟ وهُم مَن يُهون قسْوتَها، ويُطفئ نِيران شقْوتها، بمحَبةٍ صادقةٍ، بكلمةٍ طيبةٍ، أو حتى بابتساماتٍ عابرة، لا تملُّق فيها ولا ريَاء. 
   
كُلنا يَعلم أن الرحلة قَصِيرة، وأنَ الرحِيل مَحتوم، لكن لا نُدرك فواجِعَه، إلا بَعد أن نَتجرَع صدْمَته، فهيّهات أن تُعوضنا الذكريات، أو تَمْلأ فراغًا تركه مَن مات.

عفوًا.. لم أقصد أن أصُف كلمات رثاء، أو أُصَدّر حَالة حُزن، لا قِبَل للقارئ بها، بقدر ما استْحضرت مُقدمتي، حقيقة اللحظات الأخيرة، في لحظات الحقيقة، التي قلَّما تَتَجرد لنَعْتَبِر.

هكذا فُجِعْت وفُجِع الأحبة، برحيل أخ كريم وصديق حميم، المغفور له بإذن ربه – بلا ألقاب- عبد الله منتصر، الذي شيعه الآلاف، إلى مثواه الأخير في جنازة مهيبة، برهنت أن الحب أقوى من المناصب، والأثر الطيب أصدق من المنفعة.

اللواء مهندس عبد الله منتصر سويد، صاحبُ مسيرة عامرة بالعطاء، منذ تخرجه في الدفعة 23 من الكلية الفنية العسكرية، وطوال خدمته العسكرية، حتى توليه مدير مركز المعايرة والقياس الرئيس بالقوات الجوية، لم يكن إلا خادمًا مخلصا لوطنه وللجميع. 

أما وقد قَضى نَحبه، أصبح مأذُون لي أن أروي ما لم أحُب أن يطّلع عليه أحد قبل ذلك.
في أواخر عام 2017، كان لي شرف استدعائه، وترشيحه لمنصب رئيس مصلحة دمغ المصوغات والموازين، التي تتولى شئون دمغ ومراقبة الذهب والمعادن الثمينة، ومراقبة ومعايرة كل أجهزة القياس في مصر.

بعد أن تجاوز كل مقابلات لجان القيادات العليا بامتياز، أذكر أن المقابله الأولى له بوزير التموين والتجارة الداخلية، بصفته مُفوض من رئيس الوزراء، لاختيار رئيس المصلحة، كانت صادمة، اعتراض الوزير كأن مُلفِتًا، قال لي وقتها مندهشًا " لا يصلح"..!!.

ولأن ثقتي فيه مطلقة.. حاولت أن استوعب الصدمة، وأعاود السؤال بلطف للوزير، لماذا إذًا..؟ فأجاب؛ "كيف لرجل بهذا النقاء أن يتعامل مع أباطرة تجار الذهب"، وفي تورية مقصودة أكمل؛ "وما أدراك ما أهل الصاغة..!" ولكن الرهان قد ربح.

تحمل الرجل المسؤلية، ودخل عش الدبابير، مقاتلًا كما تعود، ولك أن تتخيل أن هذا أنه كان حارسًا وأمينًا على كنوز لا حصر لها، ولا عدّ، فأبواب خزائن الجهة التي يتولى شئونها، تسمح بدخول سيارات النصف نقل والجامبو المحملة بالذهب والمجوهرات والمعادن الثمينة، إلى داخل الخزينه نفسها، ربما تتعجب!.

هذا هو الواقع الذي لا يعرفه كثيرون، فبجانب أطنان الذهب والمشغولات التي لا بد أن تمر لتُدمَغ داخل المصلحة يوميًا، وتُدفع عنها الرسوم والضرائب، قبل أن تخرج، بحُكم القانون، هو صاحب الولاية والتصرف لصالح الدولة، في كل ما يُضبَط ذهب ومعادن ثمينة على كافة الحدود والمنافذ البرية والجوية لجمهورية مصر العربية، وما أدراك بكنوز المهربين!.

 كل ذلك أو بعضه، لا يحمل الدهشة التي ستصيبك لو علمت أن راتب هذا الرجل الذي حدده القانون في ذلك الوقت 5 آلاف جنيه تزيد إلى 7 آلاف جنيه، بعد  الحوافز والمزايا.
وقد كان قنوعًا أمينًا يرى كل هذه الكنوز والعدم سواء أمام طاعة ربه.

لم يكتفِ بتسيير الأمور -على قد فلوسهم-  ولكنه سخر فكره وعلمه، بصفته ضابط مهندس وخبير في شئون المعايرة والقياس في القوات الجوية، لإحداث طفرة في آلية العمل التقليدية التي تسمح بضياع مئات الملايين على الدولة يوميًا، جراء غش الذهب، وتحايُل بعض التجار على دفع حق الدولة في دفع الرسوم والضرائب.

فأطلق المشروع القومي لرقمنة الذهب والمعادن الثمينة، وقطع فيه شوطًا كبيرًا وصل إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.

ولمن لا يعرف هذا المشروع ؛ عن طريقه يتم تحويل الدمغة التقليدية، بالقلم، إلى الدمغ بالليزر وينتِج رقم ذكي QRC، مُحمل عليه بيانات العيار والقيمة وتاريخ الميلاد والمنشأ وكافة بيانات كل قطعة ذهب في السوق المصري – تُتاح هذه البيانات للمراقبين والمستهلكين على قاعدة بيانات إلكترونية واحدة، لمنع الغش والتلاعب والحفاظ على ثروات المواطنين، وتعظيم الدخل القومي من هذا الصناعة الهامة.

لم تتغير أو تتبدل فطرته، ظل هيِّنًا ليِّنًا، بشوش الوجه، نقي القلب، حافظًا لكل من أسدى له جميل، فسكن قلب كل من عَرفه أو مرّ به.

وعلى غير عادتهم، أجمع أهل الصاغة، وتجار وصناع الذهب، على نقاء هذا الرجل، الذي لم ينقذه إلا الله، من شر ما صنع أصحاب المصالح غير المشروعة للإطاحة به.

وكان تكريم الدولة له استثناءً وعرفانًا بالجميل، بعد بلوغه سن المعاش، بتعيينه مستشارًا لوزير التموين والتجارة الداخلية لشئون الذهب، وتكليفه بالإشراف على المشروع القومي، الذي أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي، بانشاء أول مدينة عالمية للذهب في مصر.

نسأل الله العظيم أن يجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وأن يكرمه في الآخرة، بحق محبة الناس له في الدنيا، كما ورد في حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى إذا أحب عبدًا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض".