أحمد ياسر يكتب: جغرافيا التاريخ وتحالف الإمبراطوريات

مقالات الرأي

بوابة الفجر

 


 


هناك العديد من القواسم المشتركة والاختلافات إلى حد التناقض، في المواقف والحسابات والأولويات السياسية والاقتصادية الروسية والإيرانية والتركية، ومع ذلك، تحافظ موسكو وطهران وأنقرة على تحالف أو على الأقل، تنسيق وثيق يشمل ملفات الصراع، التي تشارك جميعها أو بعضها في ساحات مختلفة.

محور الإمبراطوريات المضطهدة


لتفسير ذلك، من الممكن العودة إلى التاريخ الحديث للدول الثلاث، وإلى سقوط إمبراطورياتها.. استمرت تلك الإمبراطوريات التي كان مركزها في الجغرافيا لفترات طويلة من الزمن مع مساحة لتوسعها، وانكماشها، ولحروبها، وتغيير الحدود الإقليمية والمائية بينهما.

وشهدت روسيا سقوط إمبراطوريتين حكمتا ودمجت محيطهما في بعض الأحيان، ولعبتا دورًا مركزيًا في العلاقات الدولية لعدة قرون، من الإمبراطورية الروسية التي توسعت في أوروبا وآسيا الوسطى وامتدت من الحدود البحرية شرقًا إلى  اليابان إلى الأراضي البولندية في الغرب، التي انهارت خلال الحرب العالمية الأولى، إلى الاتحاد السوفيتي الذي حكم من موسكو إمبراطورية مماثلة، إلى تلك التي أسقطها قادتها قبل أن تتزايد قوتها بعد الحرب العالمية الثانية لتشمل أوروبا والشرق بأكمله.
كان سقوط الاتحاد في أوائل التسعينيات بمثابة إذلال للروس ومرارة لطموح إمبريالي أصبح غير قادر على تحقيق تطلعاته، في ذلك الإذلال والمرارة التي أعقبت ذلك، وصعوبة الاكتفاء بحدود الدولة القومية.. تشكلت الدولة "البوتينية"، وحاول صعودها الزواج من القومية الروسية، والأرثوذكسية القيصرية، والستالينية، على أساس القمع العنيف لتمرد الاستقلال في "الشيشان"، والتدخل العسكري المباشر في الأطراف (جورجيا وأوكرانيا وكازاخستان)، مما أدى إلى حربين شاملتين في سوريا لإعلان العودة بالقوة إلى الساحة الدولية، وإنكار شرعية وجود كيان في أوكرانيا بحجة تهديد أمريكي وغربي للأمن القومي.

إيران، من جانبها لم تتكيف مع حدودها الوطنية منذ أن تم رسمها بعد سقوط حكم قاجار وصعود رضا بهلوي إلى السلطة بعد الحرب العالمية الأولى، وأدى التعنت الإمبراطوري للشاه الجديد ثم ابنه محمد، بحجج تاريخية أو ارتباطه برابطة فارسية، إلى انهيار العلاقات الإيرانية مع أفغانستان والعراق والبحرين والتوترات التي استمرت حتى عام 1979... ثم "تصدير الثورة" الخمينية بعد الإطاحة بالشاه، واندلاع الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، والتى حولت الطموح الإيراني إلى أساس لتشكيل التحالفات والولاء في المجتمعات الشيعية في الدول المجاورة.

استغلت طهران الاحتلال الأمريكي والفوضى التي أحدثها لبسط نفوذها غربًا وإكمال قوس استراتيجي يمر عبر بغداد ودمشق التي يحكمها حليفها الأسد، ثم يصل إلى بيروت حيث تأسس حزب الله ودعمه من إيران، من خلالها تمكنت من التعامل مباشرة مع الإسرائيليين، من أجل رفع موقف سياسي - أيديولوجي يوفر الشعبية، وكرد على تهديد تل أبيب لبرنامجها النووي...علاوة على ذلك، قدمت طهران المال والسلاح للقوات الفلسطينية من جهة والقوات اليمنية من جهة أخرى، مما جعلها في قلب الصراع في فلسطين وعلى حافة البحر الأحمر المطل على الملاحة الحيوية التي تؤثر على الاقتصاد العالمي.

أما تركيا، رغم تراجعها عن الحدود "الوطنية" الناشئة" والحياد الصارم الذي فرضه أتاتورك من خلال قيام الجمهورية بعد الحرب العالمية الأولى، وانهيار الإمبراطورية العثمانية، على الرغم من الدفع السياسي والثقافي اللاحق تجاه أوروبا والانضمام إلى حلف الناتو بعد الحرب العالمية الثانية، فقد ظل نتيجة لخطابها القومي، ونتيجة المجازر التي رافقت سقوط العثمانيين توترت علاقاتهم مع محيطهم. وطبعا الأمر ينطبق على أرمينيا السوفييتية ثم المستقلة، وعلى اليونان ثم قبرص حيث تدخلت عسكريا عام 1974، وهو ينطبق على سوريا والعراق حيث تمثل المشاكل الحدودية وعمق القضية الكردية.
إلى كل ذلك أضيف عام 2002 عنصرًا مهمًا جدًا مرتبطًا بالهوية الإسلامية التي رفعها أردوغان وحزبه، وأعاد الأولويات التركية إلى اتجاه شرقي وجنوبي، وجعل أنقرة تستثمر في بقايا الجامعة العثمانية لبناء وجود عربي "بالتعاون مع قطر"، ثم تجاوز ذلك قبل نحو سنوات، بناء وجود اقتصادي أفريقي ولعب أدوار وسيطة بين البلدان والمحاور الإقليمية لإظهار التأثير خارج الحدود.

لاشك أن قضية المياه الدافئة والسيطرة على المضائق والممرات البحرية أولوية للأطراف الثلاثة في الماضي والحاضر لأسباب اقتصادية وجيوسياسية، وهذا بدوره يفسر جانبًا آخر من جوانب التحالف الحالي والمنافسة بينهما.
البحر الأسود وداخله "بحر آزوف '' هو الميناء المائي الوحيد لروسيا الذي يمكن الاعتماد عليه اقتصاديًا وعسكريًا بشكل دائم، حيث يصل عبر مضيق البوسفور والدردنيل إلى البحر الأبيض المتوسط ​، حيث قاعدة موسكو الوحيدة في سوريا، ومن الواضح أن هذا يرجع إلى استحالة استخدام الروس لبحارهم الشمالية والشرقية والشمالية الغربية بسبب تجمد مياههم لأشهر طويلة.
هذه الحقيقة، بالطبع، تضعهم على اتصال مباشر مع تركيا، وشريكهم في المجال البحري، وممرهم المائي الإلزامي إلى العالم، وتسعى الأخيرة، بدورها إلى توسيع وجودها المائي الاستثنائي وإقامة مناطق نفوذ، سواء في البحر الأسود بين روسيا وأوكرانيا، أو في بحر إيجة المطل على اليونان، أو في الغرب الليبي للوصول إلى جنوب البحر الأبيض المتوسط ​​و السيطرة علي مجالات الطاقة.

عندما يتعلق الأمر بالحالة الإيرانية، فإن الأولوية المائية نفسها تأخذ بعدًا آخر يتعلق بالسيطرة على المضائق بالإضافة إلى الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط من مضيق هرمز، الشريان النفطي الذي يفصل المحيط الهندي عن الخليج، إلى باب المندب، مدخل البحر الأحمر الذي يربط قناة السويس والبحر الأبيض المتوسط بسوريا ولبنان وموانئهما على البحر المتوسط، وتسعى طهران لفرض سيطرتها ووجودها عبر قواتها المسلحة أو قوات حلفائها الحوثيين، والنظام السوري، وحزب الله اللبناني".
نتيجة لذلك، فإن قضية المياه البحرية، كمناطق متداخلة للتأثير الجغرافي، والماضي القريب، والتي لم تتجاوز الحاضر المُعقد والمُربك مع تداعياته أثناء الانتقال من الإمبراطورية إلى الدولة القومية، جلب الروس والإيرانيون والأتراك معا بالرغم من الفروق والتطلعات المختلفة.

إذا أضفنا إلى كل ما سبق، خطابات عدائية ضد الهيمنة الغربية في عواصم الدول الثلاث، وتشابك في أدوارها واحتلالها في سوريا منذ سنوات، وتعاونها الاقتصادي في مواجهة العقوبات الأمريكية والأوروبية القديمة على إيران وآخرها، حول روسيا، ودراسة خصائص الوساطة التركية بين كييف وموسكو، ورصد مشاريع التعاون الروسي والإيراني والتركي مع الصين والهند، سنرى عمق الحاجة المتبادلة للتنسيق بين ورثة "الإمبراطوريات المضطهدة".

وتبدو هذه الاحتياجات المشتركة كافية حتى الآن لكبح العداء بين أنقرة من جهة وموسكو وطهران من جهة أخرى في الصراع الأذربيجاني الأرمني، كما أنه يعطي انطباعا مرضيا لتجاوز الصعوبات بينهما على الساحة السورية، حيث يشتركان في مسار أستانا، رغم مواقفهما ومواقعهما المتناقضة.
بالإضافة إلى ذلك، فإنه يضع الحد من تداعيات الاشتباك بين روسيا من خلال "مرتزقة فاغنر"، وتركيا من خلال طائرات دون طيار وخبراء ميدانيين في ليبيا،  
أخيرا ً، يبدو أنه من الكافي إدامة طلب روسيا لتركيا، للتوسط في الحرب الأوكرانية، على الرغم من أن أنقرة باعت لكييف الطائرات دون طيار الشهيرة "بايراكتار" التي يصطاد بها الأوكرانيون دبابات بوتين الزاحفة على أنقاض مدنهم.