حامد بدر يكتب: تساؤلات بين المزعوم والمأمول.. خواطر

مقالات الرأي

بوابة الفجر

أذكر أنني من قبل أن أمسك بالقلم، قد أمسكت بالقلم، وكتبتُ ما كان في صدري جائشًا، لا آبه بمحاذير أو قيود.
لقد كانت خطوط ورموز ليس لها من دلالة، ولم تكن في مغزاها غير حب التعبير، دون اللجوء إلي عسرات اللغة، والفرار من سُخف المفهوم، لقد كانت خيوطًا تصل بين عقلي وقلبي من جهة والدنيا، فكان الفؤاد متفتِّحةً أبوابه، والصدر لحديث الروح مُنشرح.

 

ماذا حدث يا تُرى؟ 


أراني في هذا الزمان وحيدًا الآمال قد آلت إلى سراب، وأحلامي لا حقيقة لها، ثم أين تلك النشوى التي كنت عنها أبحث..؟ ضاعت بمجرد أن بلغتها.

ما هذا العبث الذي أصابني؟ أين الوعود والعهود؟ أين تلك اللحظات الخالدة التي تمنيتها حين كنتُ بمهدِ العاطفة.؟ كلها صارت إلى مآلٍ غير معلوم، كلها صارت تراهات في زمن المادية والواقع.

 

لا يليقُ بكلينا 


الواقع نعم الواقع الذي صار لا يليق بكلينا، فقد اخذت كل الاعتبارات المُعقلنة تاتي إلينا من كلِّ صوبٍ وحدب، صارت الذكريات إلى هباء.. صارت النظرات والعبرات والبسمات إلى المستحيل حين لحظة الاعتراف.. لحظات اللقاء التي كانت تحيني صارت كالأكسجين المعبأ عبر الانبوب، وصار حبي في حالة مَوْتٍ إكلينيكي فقط لا يتبقى إلا انتزاع منه آخر ثمار العاطفة، فيُعلن بشكل نهائي موته وانتقاله من عالمكم إلى عالم آخر لا يعرفه.

تنشدني هناك نداءات قليلة تبث فيّ نشوى ما انا ببالغها، ولو بلغتها تكون أنفاسي عن اصّاعدت إلى ملكوت أراه بعيد، ويراه العليُّ في السماء قريب، لقد جُرِحتُ يا إلهي فهل من ضمادٍ لجروح قلبي.
لقد خسرت فهل من عِوض؟ لقد يأستُ فهل لي من أمل؟

 

زمنٌ ما أنا ببالغه


ساعةً يأخذني الفكر إلى تلك البعيدة المستحيلة، حين امتدحتها قبل سنين، أن يأخذني بها إلى فسيح المكان ووسيعه، حيثُ لا تلتقي فيه سوى أرواح طاهرة، نختليا لنعتـليا عن كآبات العالم ورمادياته وخساراته، عن نزواته وتعثراته، عن حربه وصراعه وظلمه وطموحاته الدنية، عن كل عينٍ ترصدت الموت لكلينا خُفية، عن الأيام والأمكنة الشقية المضنية.

أتسائل عن الفرح والسرور، عن ماضٍ بعيد لا أذكر منه سوى الخيالات، عن عالمٍ عشت فيه بعيدًا وآمنًا لا كنت أرى فيه سوى الأمل والرجاء، أتسائل عن تلك الأوهام التي أجبرني العالم على نسيانها، عن الديمومة التي ما دام طمحت إليها ولم أجد.. أين هي؟

أتسائل عن كائنًا آخر غير الذي أنا عليه، عن ذلك الصبي اليافع، ذو العنفوان والنقاء، أتسائل عن ضمير قد كان قبل الضمير حلَّ بداخلي، كان يرى حقيقة العالم، ويضرب شؤمه بعيدًا عن زُخْرُفٍ القول وفلسفة الشيطان. 
أين الكائن الإنسان الذي كان يسبح بروحه في ملكوت السلام، بعيدًا عن هلكوت الطغيان؟

أتسائل بلسان الإنسان الذي صار وحيدًا في واقعٍ لا يعترف بالوحدة وصار الفراق فيه جميلًا جمالًا مُزيفًا من أجل اللامعقول ولا غير شيء سوى اللامعقول.

يغضب العالم أو يرضى عن تلك التساؤلات.. ولكنها ستبقى تساؤلات.