التفاصيل الكاملة لواقعة اختلاف رسولان حول مؤسس كنيسة مصر

أقباط وكنائس

الكنيسة
الكنيسة

قال القمص يوحنا نصيف، راعي كنيسة السيدة العذراء مريم، للاقباط الارثوذكس في ولاية شيكاغو، بالولايات المتحدة الأمريكية، في تصريح له عبر حسابه الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”: إنه من الضروري مناقشة القصّة الشهيرة التي حدثت بين القدّيسين برنابا وبولس الرسول، قبل بداية رحلتهما الكرازيّة الثانية.

ويمكننا تلخيص قصّة اختلاف بولس وبرنابا على اصطحاب مارمرقس معهم منذ بدايتها، كالآتي: ذهب برنابا وبولس من أنطاكية إلى أورشليم، ليحملا بعض الصدَقات للكنيسة هناك أثناء المجاعة، وكان ذلك نحو سنة 44م. وعندما عادا إلى أنطاكية أخذا معهما من أورشليم يوحنّا المُلَقّب مرقس، والذي هو ابن مريم أخت برنابا.. لا نعرف بدقّة سبب مرافقة يوحنا المُلَقَّب مرقس لبرنابا وشاول.. ربّما بسبب اشتياق مارمرقس لاكتساب خبرة جديدة في الخدمة..وربّما أنّ برنابا قد توسّم فيه خادمًا واعدًا، كما توسَّم في شاول الطرسوسي من قبل.. وخاصّةً أنّ يوحنّا الملقَّب مرقس كان يعرف أكثر من لغة كاليونانيّة واللاتينيّة بالإضافة إلى العِبريّة.. فدعاه أن يذهب معهم لأنطاكية، ويخدم معهم هناك..وربّما السببان معًا، أو أنّ هناك أسبابًا أخرى.

أثناء الرحلة الكرازيّة الأولى، التي اختار فيها الروح القدس بالتحديد برنابا وشاول فقط للعمل التبشيري، ذهب معهما من أنطاكية يوحنّا الملقَّب مرقس، على الرغم أنّ الدعوة الإلهيّة لم تشمله.. ربّما لكي يساعدهم، ويتعلّم منهم، ويرى عمل الله الممتدّ في مناطق جديدة عليه تمامًا.. وربّما لأنّه لم يستحسن أن يبقى في أنطاكية في غياب برنابا خاله.. وربّما لأنّ برنابا دعاه للسفر معهما..عندما انتقل الرسولان برنابا وبولس من بافوس بقبرس إلى برجة بمفيليّة بآسيا الصغرى.. هناك فارقهما القديس مرقس، ورجع إلى أورشليم.

تظلّ أسباب مفارقة مارمرقس لهما غير معروفة بشكل مؤكَّد.. ولكنّنا من سياق الأحداث نستطيع أن نتصوّر بعض الأسباب:
 1- قال البعض أنّ عودته كانت لسبب مرضٍ أصابه أثناء الرحلة.
 2- لعلّه لم يهيّئ نفسه لرحلة طويلة وشاقّة مثل هذه.. فالرحلة الكرازيّة الأولى ككلّ استغرقت نحو ثلاث سنوات..!
 3- ربّما يكون مارمرقس قد اكتفى بهذا القدر من الخدمة، ويودّ أن يعود ويهدأ في خلوة، وسط الجوّ الدافئ للكنيسة.. وهذا إحساس يَشعُر به الكثيرون مِن الذين خدموا في مناطق جديدة بعيدة عن الكنيسة الأمّ، فيكون لديهم حنين شديد للعودة إلى المناخ الروحي القوي، وسط الخُدّام المملوءين بالنعمة.
 4- لعلّه مع عدم إحساسه بالدعوة الشخصيّة من الله، لم يُفَضِّل أن يستمرّ معهم في تلك المرحلة، بل فكّر أن يعود إلى مركز الكنيسة بأورشليم، حتّى يأتي الوقت الذي يسمع فيه دعوة الله الشخصيّة له، بالذهاب إلى خدمة كرازيّة أخرى..
 5- لا ننسى أنّ والدته كانت في أورشليم، ومتقدّمة في أيّامها.. وهناك أيضًا كان القدّيس بطرس لا يزال موجودًا مع القدّيس يعقوب الرسول وآخرون، وهم مدرسة روحيّة غنيّة ورفيعة المستوى.. لذلك فعودة مارمرقس لأورشليم ومكوثه بها لفترة كانت بالتأكيد فترة تلمذة ونموّ كبيرة في حياته.
بعد ذلك، اختلف الرسولان برنابا وبولس على اصطحاب القديس مرقس معهما في رحلتهما الكرازيّة الثانية، التي كانت نحو عام 51م.. واحتدّ الاختلاف، حتّى أنّهما تفارقا.. وانتهى الأمر بتكوين فريقين تقاسما منطقتيّ الخدمة؛ قبرس وآسيا الصغرى.. وهكذا آلت الأمور إلى انتشار الإنجيل، واتّساع الخدمة، وضمّ المزيد من الخدّام..!

نلاحظ أنّ الاختلاف لم يتسبّب في عداوة أو تحزُّب أو مرارة في القلب، فهذه أمور دخيلة على المسيحيّين.. لأنّهم جميعًا مولودون من الله، وأعضاء في جسد واحد، ويتغذّون بروح واحد، ولهم هدف واحد هو تمجيد الله الثالوثي، ونموّ مملكته السماويّة في القلوب.

لذلك نقرأ بعد هذه الحادثة بأكثر من عشر سنوات، أنّ القدّيس بولس أثناء سجنه الأوّل بروما، طلب القدّيس مرقس ليساعده في الخدمة الممتدّة في بلاد إيطاليا.. ولم يرفض مارمرقس الطلب، بل بعد أنّ أسّس الكنيسة في مصر، ذهب باتّضاع ومحبّة وكرز مع القدّيس بولس، وأسّس الكنائس في أكويلا وفينيسيا بإيطاليا.. ويَذكُرُه القدّيس بولس ضمن مجموعة الخدّام الذين معه في رسالته إلى فليمون، كما أنّه أيضًا يَذكُرُه بالخير في آخر رسائله قبيل استشهاده في سجنه الثاني، ويصفه بأنّه نافع لي للخدمة.