عادل حمودة يكتب: عودة «الهوت مونى» كيف نجنى خيرها ونتجنب شرها؟

مقالات الرأي

بوابة الفجر

 

خوذة عسكرية فوق رأس الاقتصاد

يصعب أن تجد جملة واحدة مفيدة تفسر ما يحدث فى العالم.

حروب علنية ومؤامرات خفية فرضت على الاقتصاد أن يرتدى الملابس المرقطة ويضع فوق رأسه خوذة معدنية.

تحت ستائر النار عجز الاقتصاد أن يوفر ضروريات الحياة لنصف مليار من البشر راحوا يتساقطون يوما بعد يوم جوعا أو حرمانا.

اهتزت القيم الإنسانية حتى سقطت مغشيا عليها.

جاء زمن قايض الناس فيه الإيمان برغيف خبز وحرقوا كتب الشعر للتدفئة بعد أن مس الجنون أسعار الطاقة وفرضت الشعارات المفخخة نفسها عليهم فتمردوا على حكوماتهم فى تسعين دولة على رأسها بريطانيا وفرنسا.

وسادت فى دول أخرى مذاهب سياسية فاشية وفتاوى دينية متشددة كاتمة للصوت.

أما النقود فأصابتها الحمى وراحت تهزى وهى تجرى من بورصة إلى بورصة ومن سند إلى سند ومن دولة ثرية إلى دولة نامية بحثا عن أكبر ربح فى أسرع وقت فيما عرف بـ «المال الساخن» أو «الهوت موني».

لم نعد نسمع كثيرا عن الاستثمار التقليدى الذى يشيد المصانع ويشغل العمال ويأتى بعملات صعبة من التصدير إلا قليلا.

فرضت فلسفة «اكسب واجرى» التى فرضتها الأموال الساخنة نفسها على الاستثمار الأجنبى فأصيب باللوثة نفسها.

استثمار بلا جذور

لا يؤمن المال بدين ولا يعترف بوطن ولا يثق فى صديق ولا يطمئن لزوجة.

لا يسجد المال إلا إلى رب واحد هو الربح.

يطول سجوده بزيادة الربح وبسرعة تحقيق أكبر قدر منه فى أقصر وقت ممكن.

هنا نجد المال الساخن حاضرا.

لا فضل عنده لعربى على أعجمى إلا بالمكسب.

تتجه تدفقات المال الساخن بالغريزة ناحية الحكومات التى ترتفع فى اقتصادها أسعار الفائدة وتنخفض قيمة العملة المحلية أمام العملة الصعبة.

توافر هذه الشروط عند حد ما يغريه بشراء سندات الدين الحكومية أو أسهم البورصة أو شهادات الادخار بشرط أن يدخل ويخرج عندما يشاء.

سندات الدين تأخذ شكل أذونات الخزانة وغالبا ما تستحق بعد ٩٠ أو ٢٧٢ أو ٣٦٥ يوما.

يعنى ذلك أننا أمام استثمار خاطف. جذوره معلقة فى الهواء. بل هو فى الحقيقة بلاجذور.

ما أن تتكاثف سحب سوداء فى السماء منذرة بأزمة اقتصادية حتى يبيع المال الساخن ما اشترى من أسهم وسندات وأذونات خزانة فى ساعات قليلة ويحمل سيولته ويرحل باحثا عن فرصة أفضل فى مكان آخر دون النظر إلى الانهيار الذى يتركه خلفه.

دون مقدمات يحمل المال الساخن مليارات الدولارات فجأة تاركا البلد التى استضافته فى ورطة تحتاج معها إلى تدبير مليارات بديلة لسد عجز الموازنة أو للحفاظ على قيمة عملتها أو لسداد قروض حان وقتها.

هذا ما حدث فى مصر بعد أزمة الأسواق الناشئة (٢٠١٨) حيث خرج فى أيام معدودة ١٥ مليار دولار.

وحدث ذلك أيضا بعد جائحة كورونا (٢٠٢٠) حيث خرج ٢٠ مليار دولار فى ساعات.

وتكرر الحدث للمرة الثالثة بعد الحرب الروسية فى أوكرانيا (٢٠٢٢) حيث خرج بسرعة مذهلة ٢٠ مليار دولار حسب تصريحات رئيس الحكومة (الدكتور مصطفى مدبولي) رفعها وزير المالية (محمد معيط) إلى ٢٣ مليار دولار واصفا ما حدث بـ «بالوضع الصعب المليء بالتحديات».

باختصار فقدنا ٥٥ مليار دولار من الأموال الساخنة فى ٥ سنوات.

فقاعة تكلف 300 مليار دولار أحيانا

تنسى حكومات كثيرة أن المال الساخن نوع من القروض واجبة السداد عند المطالبة بها وتتصرف وكأنه ملك لها.

وتنسى أنه كان عليها استثماره فى مساندة التصدير أو دعم السياحة أو سد حاجة المشروعات الصناعية الصغيرة لتزيد من نموها وتوسعها أو دعم العملة لتحصل الحكومات من ورائه على عائد يسمح بسداده مع اقتسام الفائدة معه.

لكن ما يحدث عادة أن تلك الحكومات تنفق مليارات المال الساخن التى تهبط عليها دون مراعاة قواعد الاستثمار معتمدة على أن من سيخرج منه سيأتى من سيحل محله وبحصيلة بيع السندات الجديدة تسدد فوائد السندات القديمة وتدور الدائرة فى حلقة مفرغة من المهدئات والمسكنات مما يجعلها فى غيبوبة.

تستيقظ الحكومات من غيبوبتها عندما يخرج الهوت مونى بلا عودة.

فجأة تجد نفسها حائرة أمام سداد ما عليها من التزامات مالية بمليارات الدولارات لسداد قروض خارجية أو فوائدها أو لتضييق الفجوة فى ميزان المدفوعات بين الواردات والصادرات.

وتزداد المشكلة صعوبة إذا لم تجد من يقرضها.

وتضطر دون تردد فى اللجوء إلى صندوق النقد الدولى لتستدين منه بشروطه الصعبة دائما والمستحيلة أحيانا.

حدث ذلك بعد أن الفوضى التى وجد النظام العالم نفسه فيها بعد الحرب الروسية الأوكرانية.

تسبب هذه الحرب فى ارتفاع غير مسبوق فى أسعار الغذاء والطاقة وعانت سلاسل التوريد من نقص فى السلع الضرورية هددت باضطرابات اجتماعية وتغيرات سياسية ضاعفت من الأزمة الاقتصادية.

فى تلك اللحظات الحرجة انتظر المال الساخن فى مكانه وشخص ببصره باحثا عن الدولة الأكثر أمانا ولم يكن أمامه سوى الولايات المتحدة.

ولم تتردد الولايات المتحدة فى تقديم عروض إغراء برفع سعر الفائدة على السندات الحكومية بنسب غير متوقعة إلى جانب الاطمئنان إلى الاستقرار السياسى والاجتماعى.

وصل حجم الأموال الساخنة التى تلقتها الولايات المتحدة إلى ثلاثة تريليونات دولار فى عشرة أشهر من عام ٢٠٢٢.

فى المقابل عانت دول لا حصر لها من خروج تلك الأموال منها على غير توقع منها.

إن الصين واحدة من أقدم الدول التى تجذب الأموال الساخنة إلى الأسهم والسندات الحكومية. باعت منها للأجانب ما قيمته مليار دولار مما دعم اليوان بقوة.

لكن الصين تعترف بأن الأموال الساخنة سلاح ذى حدين ما أن تغادر بلادا مثلها حتى تهتز الأسواق العالمية.

حدث ذلك فى أعوام ٢٠٠٧ و٢٠١٥ و٢٠٢٢.

انسحبت الأموال الساخن وترنح اليوان مصابا بهزال يهدد بسقوطه مما اضطر البنك المركزى الصينى بإخراج ٣٠٠ مليار دولار من احتياطاتها حتى يسترد اليوان قوته ومكانته.

خسرت ٣٠٠ مليار دولار بسبب فقاعة.

معيط: لن نعتمد عليها

رغم ضخامة المبلغ الذى ضحت به الصين حفاظا على عملتها فإنه لا يذكر إذا ما عرفنا أن احتياطيات الصين هى الأعلى فى العالم وتصل إلى ٣.١٢٨ تريليون دولار.

ولكن فى مصر لم يكن الاحتياطى يقدر على حماية العملة المحلية التى ألقيت فى البحر لتعوم دون سترة إنقاذ.

وبفرض المرونة على الجنيه انخفض سعره بنسب أثرت على قيمته وقوته الشرائية مما زاد من أسعار السلع إلى حد الألم.

وتدخل البنك المركزى موافقا على إصدار شهادات بفائدة غير مسبوقة ولا مثيل لها (٢٥٪) لمدة سنة مما أغرى المال الساخن بالعودة إلى مصر.

عادت وزارة المالية لعرض أذونات الخزانة من جديد تسدد بعد ٩١ أو ٢٧٣ يوما وبأكثر مما توقعت وصلت الطلبات عليها محليا وخارجيا إلى ١٤٠ مليار جنيه.

هنا نذكر وزير المالية بانتقاداته السابقة المعلنة ضد الأموال الساخنة.

بنفسه قال الدكتور محمد معيط فى يوم الأحد ٣ يونيو ٢٢٠٢:

«إن هناك توجها استراتيجيا حاليا يهدف إلى عدم الاعتماد على الأموال الساخنة التى تأتى لشراء أدوات الدين المحلية وذلك بعد التخارجات المتتالية لها بالتزامن مع الأزمات الدولية».

حدث ذلك فى مداخلة هاتفية مع عمرو أديب عبر برنامجه على قناة «أم بى سي».

ما الذى تغير حتى يلجأ مرة أخرى إلى ما سبق أن خذله؟

هل سنلدغ من الجحر نفسه للمرة الرابعة؟

كيف نستفيد من عودة الأموال الساخنة دون أن نعانى من متاعب ما بعد خروجها المفاجئ؟

كيف نجنى خيرها ونتقى شرها؟

يمكن أن نرحب بالأموال الساخنة لتهدئة جنون الدولار وترميم الجنيه، ولكن دون الاعتماد عليها إلا فى مدى قصير نحقق خلاله استقرارا فى سوق الصرف.

يمكن قبولها بشرط أن نتحسب غدرها المباغت الذى يفجر أزمة تأتى قبل أن نتعافى من أزمة تذهب.

يمكن أن تكون هذه الأموال التى تتسم بأنانية مطلقة مجرد جسر نعبر عليه من حالة إلى حالة فننال خيرها ونتقى شرها.

وفى هذه الحالة يجب أن نحذر من إنفاق ما نجمع من أموال ساخنة إلا بما يعود علينا بفائدة تساهم فى خدمة الدين الذى تسببه.

بل لا بد من الاحتفاظ بنسبة سائلة من هذه الأموال خشية أن يطالب بها أصحابها ببيع مفاجئ لما اشتروه من أسهم وسندات وأذونات خزانة.

هذه النسبة المدخرة ستكون غطاء للطوارئ نواجه به الأموال الساخنة التى تمشى على عجل ولا تعرف عادة فضيلة الاستقرار.

وأتصور أن محافظ البنك المركزى حسن عبد الله يعى ذلك جيدا.

أتصور أنه مستعد لمواجهة سلوكيات هذه الأموال العصبية الفجائية.

أتصور أنه يعتبر الاعتماد عليها حالة مؤقتة لن تدوم إلا إذا كانت فى صالحنا اقتصاديا.

والمؤكد أنه اتخذ قرارات أهم تحد من تأثيرها السلبى.

بل وضاعفت من الحركة الداخلية بين البنوك (انتربنك) حتى تجاوزت العشرين ضعفا مما يعنى تحريكا واضحا فى تمويل اعتمادات متعددة ومتزايدة بالعملة الصعبة.

كما أنه سمح للبنوك بالتعاقد مع العملاء على سعر صرف آجل للدولار بعد مدة محددة لا رجوع عنه من الطرفين مما يعنى أن العميل (مستثمر أو مستورد) يعرف قيمة السلعة التى سيبيعها بدقة دون تحديد سعر خيالى للدولار خوفا من انفلاته.

ولا شك أن اقترب الدولار من حدود الثلاثين جنيها أغرى المصريين فى الخارج بتحويل أموالهم عبر البنوك بعد أن ضاقت الفجوة بينها وبين السوق السوداء.

وتعد تحويلا المصريين (نحو ٣٠ مليار دولار) سندا يمكن الاستناد عليه وإن كنا لا نزال مقصرين فى رد الجميل إليهم.

لكن ذلك التغير المطمئن والمهدئ لا ينفى محاسبة المسئول عن الأزمة التى حدثت.

من حقنا أن نعرف ما فعل بنا بعد أن دفعنا ثمن قراراته.

هل يكفى أن يقدم استقالته أو نعفيه من منصبه ونقول عفا الله عما سلف؟

ليست هناك سوى إجابة واحدة محددة: «كلا».