خبراء يوضحون معنى تخفيض موديز لتصنيف مصر الائتماني

تقارير وحوارات

بوابة الفجر

يعبر خفض وكالة "موديز" التصنيف الائتماني لمصر من B3 إلى Caa1، مع نظرة مستقبلية مستقرة، عن حجم الضغوطات التي يواجهها الاقتصاد المصري، وفي ظل أزمة العملة الأجنبية التي تهدد بتراجع قدرة البلد على تحمل الديون.

ووكالة موديز للتصنيف الائتماني لها نشاط رئيسي يتركز فى تقييمها قدرة الدول على سداد ديونها، من خلال منحها درجات تتمثل بأحرف، وذلك على غرار وكالتي التصنيف الرئيسيتين الأخريين فيتش وستاندرد آند بورز.

أرجعت الوكالة قرار خفض التصنيف الائتماني لمصر إلى عدة أسباب، منها تدهور قدرة البلاد على تحمل الديون، واستمرار نقص النقد الأجنبي في مواجهة زيادة مدفوعات خدمة الدين العام الخارجي خلال العامين المقبلين، إضافة إلى أن عملية تغطية خدمة الدين من خلال الاحتياطيات الحالية البالغة نحو 27 مليار دولار قد تضعف بشكل كبيرة خلال العامين المقبلين خاصة في غياب تدابير لتعزيز احتياطي النقد الأجنبي.


وتوقعت موديز أن تساعد عائدات بيع الأصول (برنامج الطروحات الحكومية) في استعادة احتياطي السيولة من العملة الصعبة للاقتصاد، وحددت النظرة المستقبلية لمصر عند "مستقرة، ما يعكس سجل الحكومة الخاص بقدرتها على تنفيذ الإصلاح المالي وإطلاق استراتيجية بيع الأصول الحكومية.
تعكس توقعات الوكالة أن مصر سوف تستمر في الحصول على دعم مالي من صندوق النقد الدولي بموجب اتفاق بقيمة ثلاثة مليارات دولار.


تزامن مع إصدار الوكالة تصنيفها، تحذير المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، الخميس، من أن الحكومة المصرية سوف "تستنزف" احتياطياتها الثمينة من النقد الأجنبي ما لم تخفض قيمة الجنيه مرة أخرى. وقالت غورغييفا إن "مصر تؤخر أمراً لا مفر منه عبر الامتناع عن القيام (خفض قيمة العملة) بذلك مرة أخرى، وكلما طال الانتظار، أصبح الأمر أسوأ".


كيف ردت الحكومة ؟
ورداً على تخفيض موديز للتصنيف الائتماني، قال وزير المالية المصري محمد معيط، في بيان إن الحكومة تنفذ إصلاحات هيكلية لمواجهة التحديات الاقتصادية وتتخذ إجراءات لتحفيز الاستثمار وتعزيز مشاركة القطاع الخاص.


وأضاف أن مصر قلصت الإنفاق في السنة المالية المنتهية في يونيو رغم الصدمات الخارجية ومن بينها الآثار غير المباشرة للحرب في أوكرانيا.


أولى درجات المخاطر
من جانبه، قال الخبير المصرفي، محمد عبد العال، في تصريحات لموقع "الفجر"، إن وكالة موديز تسرعت بتخفيض التصنيف الائتماني لمصر، كنوع من الحذر بعد أزمة إفلاس البنوك الأميركية السابقة، فالوكالة تخشى تكرار ذلك في دول أخرى، وبالتالي تكون جادة في تحذيراتها.


وأفاد بأن موديز كانت قد وضعت في وقت سابق تقييم مصر تحت الدراسة والاختبار لمدة ثلاث أشهر، لكنها فاجأت القاهرة بهذا التخفيض قبل التوقيت المحدد، ويرجع ذلك لأسباب معروفة، لجهة التبعات المستمرة للأزمة التي تعانيها مصر ومختلف الدول بعد صدمتي جائحة كورونا ثم الحرب في أوكرانيا، مشيراً إلى بعض المظاهر التي تحدث عنها تصنيف موديز وتسببت في تخفيض التصنيف الائتماني لمصر ومنها، عجز السيولة بالنقد الأجنبي، وزيادة الدين الخارجي بالنقد الأجنبي، اختلال السندات الدولية بالأسواق، إضافة إلى عدم مرونة سعر الصرف، وزيادة العجز في صافي أصول البنوك الأجنبية.
 

وأشار إلى أن التخفيض جاء بدرجة واحدة من B3 إلى Caa1، وهي أولى درجات الانتقال إلى المخاطر التي كانت محتملة وتحت الملاحظة من المراقبين الدوليين، إلى مخاطر أكثر خطورة، مشدداً على أن الأمر أصبح يستدعي ضرورة أن يكون مراقبو المخاطر والقطاعات المختلفة أكثر حرصاً وحذراً في التعامل مع الأصول المصرية.


ولفت الخبير المصرفي إلى أن اعتماد موديز النظرة المستقبلية "مستقرة"، يأتي في وقت يشار فيه إلى قدرة البنك المركزي على إدارة الديون ومشكلة الصرف، وكذلك إدارة الإنفاق العام وعجز الموازنة بكفاءة خلال الفترة المقبلة، ولذلك تُرك الأمر بنظرة مستقبلية مستقرة.


ورأى الخبير المصرفي أن تخفيض موديز لتصنيف مصر الائتماني لن يكون له تأثير وتداعيات سلبية كبيرة على الأنشطة الاقتصادية وبالأخص القطاع المصرفي المصري، موضحاً أن كل هذه الأمور اتخذ بشأنها إجراءات احتياطية استباقية، خاصة وأن موديز وغيرها من وكالات التصنيف حذروا البنوك والقطاع المصرفي والشركات التي لديها أصول بالنقد الأجنبي من قبل، وكانوا جميعاً بالفعل متوخين الحذر .

أوضاع مؤقتة
وإلى ذلك، أشارت الخبيرة المصرفية سحر الدماطي، في حديثها مع موقع "الفجر"، إلى أن النظرة المستقبلية المستقرة التي أشار إليها تصنيف "موديز" يؤكد أن الاقتصاد المصري يمر بأوضاع مؤقتة، اتخذت بشأنها الحكومة إجراءات وحلول مختلفة.


وقالت إنه مما لاشك فيه أن النظرة المستقرة تعد نوعاً من "الطمأنة" بأنه مازالت الأوضاع المستقبلية المتوقعة مطمئنة بالرغم من الظروف الاقتصادية المعروفة.


وشددت على ضرورة أن تقف الحكومة المصرية في نقطة توازن بين الطلب والعرض قبل اتخاذ أي خطوة بشأن تحرير سعر الصرف وخفض الجنيه، في ظل وجود أزمة توفير الدولار، منوهة إلى أنه حال اتخذت تلك الخطوة حالياً فإن قيمة الجنيه المصري ستستمر بالانخفاض ولن تستقر عند نقطة معينة، ما يعني زيادة التضخم وسعر الفائدة، وبما لذلك من تبعات اقتصادية واسعة.


ولفتت إلى اتفاق الحكومة المصرية مع صندوق النقد حينما تمت الموافقة على قرض الصندوق في آخر ديسمبر الماضي، وعلى أساسه وافقت مصر على اعتماد سعر صرف مرن، لكن كان من المتوقع توفر عملة تستطيع من خلالها الوصول إلى نقطة التوازن.. و"في ظل عدم توافر ذلك، قامت الحكومة بمجموعة من الإجراءات لتوفير العملة منها الطروحات والسندات بالجنيه المصري وغير ذلك، لتستطيع استقطاب العملة إضافة إلى تشجيع السياحة والموارد الدولارية الأساسية".


لكنها أشارت إلى المعضلات المرتبطة بارتفاع خدمة الدين بشكل غير مسبوق؛ نتيجة ارتفاع الفائدة على الدولار، إضافة إلى الحرب في أوكرانيا وتداعياتها بارتفاع أسعار الحبوب والنفط .

وأكدت الدماطي أن التطورات الجيوسياسية العالمية التي حدثت وتبعاتها من تطورات اقتصادية، عززت أزمة النقد الأجنبي، ولو لم تكن تلك الأحداث قد وقعت لم يكن صعباً على الحكومة المصرية توفير ما تحتاجه لسد عجز الدين.


ضغط سياسي
وبدوره، وصف مدير مركز رؤية للدراسات الاقتصادية، بلال شعيب، في تصريحات خاصة لموقع "الفجر"، التصنيف الأخير لـ"موديز" بأنه محاولة لـ "الضغط السياسي" من خلال إحدى الأدوات الاقتصادية لتحقيق مكاسب اقتصادية وأخرى سياسية، خاصة في ظل الظرف الذي تمر بها الدولة المصرية بإقبالها على إجراء انتخابات رئاسية.


وأضاف أن مؤسسات التصنيف الدولي عادة ما يدور حول تعاملاتها مع الدول النامية والناشئة عدة شُبهات، وعلى الأغلب يكون لتصنيفاتها أغراض سياسية أكثر من كونها أغراض اقتصادية، لافتاً إلى أن ضغوطها تأتي مع وضع الحكومة المصرية خطط اقتصادية واضحة، ومع توقعات بانفراجة اقتصادية خلال الستة أشهر المقبلة في مصر والعالم.


وأشار إلى سعي الدولة المصرية لتنويع مصادر التمويل وكذلك تنويع علاقاتها الاقتصادية، بما في ذلك التحالفات الدولية والإقليمية، مثل الانضمام إلى تكتل البريكس، فضلاً عن التحالفات مع دول عربية وأفريقية والاتفاقات حول مشاريع مشتركة.


وحول تأكيدات صندوق النقد الدولي على ضرورة خفض الجنيه لتفادي أزمات أصعب، رأى مدير مركز رؤية للدراسات الاقتصادية، أنه ليس هناك مبررات لتلك الخطوة حالياً، خاصة أن ذلك يعني رفع معدلات التضخم في مصر، موضحاً أن مؤشرات التضخم وصلت لمستويات غير مسبوقة، وتشهد استقراراً نسبياً في آخر شهرين.