"العرب اللندنية": الجيش المصري يحمل خصوصية تميزه عن باقي الجيوش

أخبار مصر

الجيش المصري - أرشيفية
الجيش المصري - أرشيفية


قالت صحيفة العرب اللندنية، إن الجيش المصري يحمل خصوصية محلية (وأيضا عربية)، تميزه عن باقي الجيوش العربية، وهي علاقته المترابطة بشكل كبير بالشعب، فحتى عندما انحسر الضوء الإعلامي عليه في فترة الرئيس الأسبق حسني مبارك، في ظل المتغيرات في المنطقة بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، ظلّ محافظا على مكانته “الشعبية” بالتوازي مع تمدّده اقتصاديا.

 

واكتسب الجيش المصري نفوذا غير مسبوق منذ أن وقف مع المعارضة الشعبية في 25 يناير 2011 للإطاحة بنظام حسني مبارك، رغم أنه ابن المؤسسة العسكرية، ثم وقف مرة أخرى في صفوف المعارضة الشعبية في 30 يونيو 2013، والإطاحة بالرئيس محمد مرسي الذي ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين؛ وقد صاحب هذين الحدثين الرئيسين تمدد لنفوذ القوات المسلحة المصرية، بعيدا عن المجال العسكري.

 

وتقول الصحيفة خلال تقريرا لها، إنه خلال الأيام الماضية تزايد الحديث حول هذه المسألة، بعد أن تصاعد دور الجيش وقيامه بمهام تبدو ظاهريا متعارضة مع أدواره الرئيسية، أي على جبهات القتال وتأمين الحدود، مثل المساهمة في حل العديد من الأزمات الداخلية، وقد جاء أحدث تدخل مع قضية نقص حليب الأطفال في البلاد، والتي فتحت الباب لسيل من التساؤلات حول أحقية الجيوش في القيام بتلك الأدوار، ومدى قبول المجتمعات المدنية لها.

 

وتشهد مصر أزمة نقص وغلاء في حليب الأطفال، الأمر الذي دفع العميد محمد سمير، المتحدث باسم القوات المسلحة، إلى إصدار بيان جاء فيه أن الشركات المختصة باستيراد عبوات حليب الأطفال، تقوم باحتكارها لـ”المغالاة في سعرها ما تسبب في زيادة المعاناة على المواطن البسيط”، متحدثا عن أن دور القوات المسلحة هو التعاقد لإبقاء سعر العبوات 30 جنيها بدل 60 جنيها”. وبينما أثار هذا البيان جدلا واسعا في صفوف المصريين بخصوص حدود تدخل الجيش ودور مؤسسات الحكومة، أكّد خبراء ومتابعون أنه أمر طبيعي أن تشارك الجيوش بأدوار مدنية مختلفة أثناء وقوع الأزمات أو الكوارث، حيث تلجأ الإدارة السياسية إلى الاستعانة بالمؤسسة العسكرية لمساعدتها في مواجهة الأزمات المتراكمة، وفي تلك الحالة يكون التدخل اضطراريا ومؤقتا، ومرهونا بطبيعة الأزمة أو الأزمات، وقد تكرر حدوثه تاريخيا في دول مختلفة، متقدمة ونامية.

 

الحالة المصرية الراهنة أثارت انتباه جهات كثيرة، حيث أصبح الجيش شريكا في مجالات مختلفة، وحل مكان بعض المؤسسات والهيئات المدنية، وأصبح متداخلا بصورة كبيرة كجهة منقذة تملك حلولا لجميع الأزمات تقريبا.

 

ولا ينفصل تفسير هذا الوضع عن الخلفية التاريخية التي تأسس عليها الجيش المصري في عهد محمد علي منذ حوالي قرنين من الزمان، حيث نشأ أساسا لبناء طبقة وسطى متماسكة، إلى جانب العمال والموظفين وإداريي الصناعات التي ارتبطت بالجيش، وكان هناك ارتباط وثيق بين الجيش والشعب.

 

كما أن أغلب عناصر الجيش المصري وقياداته تأتي من المخزون الشعبي المصري في الريف والمدينة دون تمييز اجتماعي، وهو ما يجعل ارتكان الشعب إليه في الأزمات أمرا مألوفا، فمثلا لم يجد الشعب المصري غضاضة في أن يتم توجيه الجزء الأكبر من ميزانية الدولة لبناء الجيش، عقب هزيمة 5 يونيو 1967. وعاش أوضاعا اقتصادية صعبة. وتطوع الآلاف من الشباب المصري للعمل به في أثناء تلك الفترة بلا مقابل، ما يبرهن على خصوصية العلاقة بين الطرفين (الجيش والشعب).

 

وقال جمال مظلوم، الخبير العسكري للصحيفة، “إن المرحلة التي تلت انتصار أكتوبر 1973 كانت المحدد الرئيسي لترسيخ العلاقة بين الجيش والشعب، حيث رفع الجيش شعار ‘يد تبني ويد تحمل السلاح’ من أجل بدء مرحلة جديدة من التنمية، وتوافق عليه (الشعار) الطرفان والإدارة السياسية في ذلك الوقت”.

 

 

وأضاف أن الخلفية العسكرية لرؤساء مصر بعد ثورة يوليو 1952 (محمد نجيب وجمال عبدالناصر وأنور السادات وحسني مبارك) وحتى الآن (الرئيس الحالي المشير عبدالفتاح السيسي)، باستثناء سنة حكم الإخوان، ساهمت في نجاح الشعار، وكان هناك توافق ضمني على أن يظل الجيش على أهبة الاستعداد للتحرك ضد تهديدات الأمن الوطني.

 

 

 

ومهدت ثورة 25 يناير 2011 الطريق للمزيد من الأدوار المدنية والسياسية للجيش المصري، وكشف عجز القوى والأحزاب والطبقة السياسية والأجهزة الأمنية عن حالة خواء عميقة، ضاعفت من الغضب الشعبي، بشكل فتح الطريق أمام قيام الجيش بإدارة شؤون الدولة المصرية في عهد المجلس العسكري الذي تسلم حكم البلاد فترة مؤقتة بعد تنحي الرئيس حسني مبارك.

 

وعقب التخبط العام الذي انتشر في البلاد، والعجز الذي ساد قطاعات خدمية عدة، تمس جوهر الحياة المعيشية، قام الجيش بفتح منافذ بيع تابعة له أمام المدنيين، وقامت عناصر من القوات المسلحة بتوزيع ملايين الأرغفة من الخبز يوميا على المنافذ التابعة لوزارة التموين بأسعار تفضيلية.

 

منذ ذلك الوقت أضحت القوات المسلحة المصرية بمثابة الحل لغالبية الأزمات، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي وحتى السياسي، وكانت المشاركة بموافقة شعبية توحي بقبول هذا الدور.

 

يذكر أن للجيش المصري اقتصادا غير معروفة ميزانيته، لكنه أصبح شريكا في قطاعات متباينة، بدأ التوسع فيه بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، وبالتالي تراجعت أهمية الجيش في الحرب نظريا، وجرى التفكير في الاستفادة من نحو مليون مجند وضابط في المؤسسة العسكرية المصرية، وكان توسيع دوره الاقتصادي والاجتماعي خيارا أساسيا لتوظيف طاقة هؤلاء.

 

لم يخل الأمر من رغبة في توفير موارد مالية خاصة، موازية لميزانية الدولة، تحسبا من حدوث أزمات اقتصادية قد تؤثر على قدرته التسليحية، فيلجأ إلى الاستفادة من المردود النقدي لمشروعاته الخاصة، التي توسعت وشملت مجالات كثيرة، جميعها بات يدر عائدا ماديا جيدا.

 

وبزغ نجم الدور المادي والمعنوي للجيش، في رعايته وإشرافه على عدد كبير من المشروعات العملاقة في مصر، مثل قناة السويس الجديدة، وبناء عاصمة إدارية، واستصلاح وزراعة مليون ونصف المليون فدان، وبناء مليون وحدة سكنية، ورصف الآلاف من الطرق، وكلها مشروعات ضاعفت من جاذبية الجيش لدى المصريين، وأكدت مركزية دوره، في الناحيتين العسكرية والمدنية.

 

وكان ارتفاع الأسعار خلال العامين الماضيين أبرز المشكلات التي شهدت تدخلا مباشرا من القوات المسلحة المصرية، في ظل عجز محدودي الدخل عن الحصول على احتياجاتهم الأساسية ووقوف الحكومة مكتوفة الأيدي أمام تلاعب التجار بأسعار الكثير من السلع الرئيسية.

 

لم يقتصر التدخل على ذلك، فقد كانت هناك مشاركات واضحة في حل مشكلات تقع على عاتق الأجهزة المحلية، كشفط مياه الأمطار من شوارع مدينة الإسكندرية، عقب سيول غزيرة تعرضت لها المحافظة الساحلية مطلع العام الجاري، والتعامل مع أزمات النظافة التي تزايدت في محافظات مختلفة، والتقليل من آثار الإضرابات التي قام بها سائقو أتوبيسات نقل الركاب، عبر توفير وسائل بديلة.

 

 

وقال عبدالرافع درويش الخبير العسكري لـ”العرب”، إن مشاركة الجيش في العمليات الإنشائية يغلب عليها الطابع الإشرافي، وليس التنفيذي، مثلما كان الوضع بالنسبة إلى قناة السويس الجديدة، لكن ذلك لا يمنع المشاركة في بعض الأعمال التنفيذية، وما يرجح كفتها قدرتها على الالتزام بمواعيد التنفيذ ومواجهتها للفساد الذي لم تنجح الحكومة في التعامل معه.

 

وأكد اللواء عبدالرافع، وهو قيادي سابق بالجيش المصري، أن تدخلات الجيوش لضبط الأمور في المؤسسات المدنية لا تعد خروجا على قواعد الديمقراطية، خاصة في الدول التي تعاني حالة من عدم الاستقرار في الأوضاع السياسية، أو التي لا تزال في مرحلة البناء، وهي دور منفصل تماما عن المهام العسكرية التي تقوم بها على الحدود.

 

وأعد بعض الباحثين، مؤخرا، دراسة عن أنماط العلاقة بين الجيش كمنظمة مسلحة والإدارة السياسية للدولة والمجتمع ككل، بعنوان “العلاقات المدنية العسكرية”، ناقشت تحديدا النفوذ المتزايد للجيوش في الكثير من الدول النامية، خلصت إلى أن السبب في ذلك يكمن في ضعف وعدم فاعلية المؤسسات السياسية، مثل أجهزة الدولة والأحزاب السياسية، والتي ينبغي أن تكون بها قنوات مؤسسية تنظم التنافس والصراع بين مكونات المجتمع.

 

وفي ظل غياب هذا الدور من الطبيعي أن يبرز دور الجيش كأحد أقوى المكونات في المجتمع. وتضمن قوة وفعالية الجهات المدنية وقدرتها على تنظيم وامتصاص الصراعات المجتمعية، الحد من تغول وهيمنة الجيش على إدارة الشؤون السياسية.

 

وأوضح محمد كمال، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة لـ”العرب”، أن الشفافية والمعلوماتية من الأمور المهمة للغاية، حينما يتدخل الجيش في إحدى المهام المدنية حتى لا يصبح عرضة للهجوم من الخصوم السياسيين للحاكم، وتوضيح طبيعة المشكلة ومدى صعوبتها وأسباب التدخل في حلها عملية يجب أن تتوافر عند استدعاء الجيش إلى أي دور.

 

وأضاف أن خطورة ما يحدث في مصر أن الجيش أصبح واجهة تتلقى الانتقادات بدلا من الحكومة عند حدوث أزمة، وهو ما جرى في أزمة حليب الأطفال، حيث وجهت إليه اتهامات بالرغبة في الهيمنة.