حسين معوض يكتب: من يدفع فاتورة المشروعات القومية؟

مقالات الرأي



1- ثمن الرفاهية

لا يوجد كاتب فى مصر لم يسطر قلمه جملة اعتراض على تركز السكان والنشاط العمرانى سوى على 5 % فقط من مساحة بلادنا، حتى هؤلاء الذين ينتقدون الآن المشروعات القومية لإعادة توزيع البشر على الأرض وتخفيف مناطق الضغط واستصلاح مساحات جديدة من الأرض وبناء مدن صناعية جديدة.. لدينا اتفاق واعتراف بالأزمة ولدينا أيضا اختلاف على توقيت الحل.

البعض يرى أن مشروعاتنا القومية هى السبب فى أزمتنا الاقتصادية وهى التى سحبت السيولة من الأسواق وصنعت أزمة العملة الصعبة، وهى آراء منطقية وقراءة واقعية، وبالتأكيد يعرف أصحاب القرار أنهم اختاروا دواء مرا، وعرفوا مقدما النتائج المنتظرة والأعراض الجانبية لاختيار التوقف عن النقد وتطبيق الحل.

هل يمكن أن تمر الأيام التى نبدأ فيها بالبناء كغيرها من الأيام.. نبنى مدنا جديدة منها العاصمة الإدارية والإسماعيلية الجديدة والعملين، ونمد شبكات طرق تتجاوز 5 آلاف كيلو متر، ونحفر قناة موازية لقناة السويس، ونزرع مليون ونصف المليون فدان، ونبنى مليون وحدة سكنية، ومحطات كهرباء، ومناطق صناعية مثل محور تنمية قناة السويس ومشروع هضبة الجلالة، ونحدث ترسانة الأسلحة.. والقائمة طويلة، وكلما بدأنا مشروعا جديدا يجب أن تتضاعف متاعبنا.. هل لديكم استعداد لمزيد من المتاعب والحياة الصعبة أم نتوقف الآن عن دخول مشروعات جديدة؟، هل تتوقعون أن يتغير مستقبلكم بدون أن تدفعون الضريبة من نمط حياتكم أم تعتقدون أن النعيم سوف يهبط عليكم من السماء؟

الخوف أن نستعجل زمن الرفاهية ونستدعيه قبل أن تتشكل ملامحه، رأيت مقدمات الاستعجال فى الإعلان عن منح حق الانتفاع بجزء من أرض العاصمة الإدارية لشركة عربية تبنى عليها مولات ومتحفا ومسجدا، ربما كان الإعلان محاولة للرد على الناقدين أو المشككين.

بالطبع لم تحظ المشروعات القومية الجديدة بفرصة لشرحها، ولم ننجح فى شغل الجمهور بمراحل الانجاز فيها، ولا يعرف الكثيرون ماذا تقدم لنا تلك المشروعات.. والأولى الآن أن نشغل أنفسنا بتوصيل المعلومات للناس وليس الاستعجال فى حصد المنافع.


2- مفاتيح مدن الصناعة

المشروع القومى الأكبر الذى يجب أن نبدأ فى تشييده الآن هو الانسان.. الثروة البشرية.. ونحن نملك ثروة قومية «الميكانيكية».. هؤلاء يفهمون الماكينات ويتعاملون معها ببساطة تعامل أساتذة الإحصاء مع الأرقام، وكما نعرفهم نعرف أيضا أنهم ثروة غير مستغلة، وأى محاولة للتعامل مع تلك الثروة يضعك فى خانة واحدة مع الباحثين عن العمل الردى على أطراف أظافر قرد شقى.

المفارقة أن معظم «الميكانيكية» مكتوب فى خانة المهنة فى بطاقاتهم القومية «عاطل».. السر طبعا فى فشل الدولة فى التعرف عليهم وعلى قيمة مهنتهم وعلى قدراتهم المهنية.. يعرف المسئولون الحكوميون والقائمون على مراكز الأبحاث معنى «ميكانيكى» وكلهم بلا استثناء يتعاملون معهم، إن لم يكن فى ورشهم ففى توكيلات شركات السيارات، لكننا تعودنا على انفصام شخصية المسئول المصرى فهو لا يتعامل مع واقع وأزمات حقيقية، يتعامل مع الأزمات عندما تتحول إلى أرقام فى دفاتر البيروقراطية، ولا يجيدون اكتشاف الثروات وإن كانت ملقاة أمامهم على أطراف الشوارع العامة خاصة عندما تكون الثروة «بشرية».

هل تريدون أن تجربوا بأنفسكم؟.. اسألوا مراكز الإحصاء والأبحاث عن عدد الميكانيكية فى مصر؟، وعن عدتهم؟، وأماكن انتشارهم؟، وأسعار الخدمة التى يقدمونها للملايين؟، ومستوى مهارتهم؟، وعن أنسب أنواع السيارات التى يجيدون التعامل معها؟، وعن قطع الغيار التى يمكن أن يخلقوا بدائلها؟، وكم عدد الحاصلين على تراخيص مزاولة مهنة منهم؟، وهل تعترف بهم نقابة أو رابطة أو أى جهة حكومية؟.. وصولا إلى الخدمات التى يمكن أن يحصل عليها الميكانيكى فى حالة انتظامه فى العمل والتصاريح.

السؤال الأهم بالطبع هو «تقييم مهارة الميكانيكى المصرى، والى أى مدى تستطيع أن تقوده مهاراته».. قد يكونون حملة مفاتيح مدينة الصناعة!.. مثلا.

لا نريدهم أن يخترعوا نظريات حركة أو يصمموا مواتير وماكينات، نعلم أن لدينا مهندسين مهرة وكليات هندسة تعمل منذ عشرات السنوات ويخرج منها علماء وخبراء ولديهم كل أسرار العلم المدفونة داخل الماكينات والمواتير، لديهم أسرار الحركة والسيطرة.

نريد فقط أن تتحول خبراتهم العملية إلى علم من خلال تواصلهم مع كليات الهندسة والمهندسين.. نريد أن نستغلهم وندفع مقابل استغلالهم فى اختراق عالم الصناعة والتصدير.

نحن هنا لا نستسلم للنظرية التقليدية التى تعتبر صناعة السيارات هى الصناعة.. نحن نضرب لهم الامثال.. وهم أقصد بها حكومتنا.. أكبر همنا.

والميكانيكى دائما هو رمز الصناعة بمفكه الكبير، ويطلق اللقب على كل المتعاملين مع الماكينات فى الورش والمصانع والدكاكين الشعبية، هؤلاء لديهم الخبرة التى تكفيهم لصناعة السيارة والخلاط والثلاجة والموبايل والمكنسة والتكييف والجردل والكنكة والملعقة والمسمار والخيط والإبرة وصولا إلى الصاروخ والبندقية ورصاصها.. نعم لدينا مصانع شعبية للأسلحة والمفرقعات.

يجب أن نبحث عن كل هؤلاء ونمنح الباقين منهم الدافع أن يبحثوا هم عن فرصتهم معنا.. احنا الحكومة.