الحياة البرلمانية في مصر على مدى 170 عاماً

أخبار مصر



قال تعالي: قل اللهم مالك الملك تأتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك علي كل شئ قدير ، ولأن اليوم هو اليوم الأول للبرلمان المصري المنتخب بعد الثورة والإنتخابات.

فلابد أن نتذكر جميعاً تلك الآية القرآنية جيدًا فإن الله عز وجل يخبرنا بأن الملك كله له وحده وهو وحده الذي يهبه لمن يختاره، ليست الإنتخابات وليست الإرادة، وليس معني حوذ السلطة هو حوذ الملكية، فالوطن للجميع، وهبه الله لأهله ليعمرّوه.

وللبرلمان في مصر تاريخ قديم ، يبدأ في عهد محمد علي باشا حيث كانت أول إرهاصة لقيام حياة نيابية في مصر عام 1829 م،عندما أنشأ مجلساً للمشورة يتكون من كبار التجار و الأعيان و العمد و المشايخ و العلماء ، وكانت وظيفته الأساسية إبداء الرأي في المسائل الإدارية العامة دون أن يلتزم محمد علي باشا بتنفيذها ، فكان رأي المجلس إستشاري .

و علي الرغم من وظيفة المجلس الاستشارية ، فإن محمد علي يرجع إليه الفضل في ابتداع هذا المجلس والذي بدأ يتطور في وظائفه و صلاحياته حتي أصبح يضاهي المجالس النيابية في أوروبا .

وجاء عهد الخديوي اسماعيل ، وحقق فيه البرلمان المصري طفرة كبيرة بقيام مجلس شوري النواب في ديسمبر من عام 1866 م ، ويتكون من 75 نائب ينتخبهم الشعب من طبقة كبار ملاك الأراضي الزراعية كل ثلاث سنوات ، وتشير الكثير من الدراسات التاريخية أن إسماعيل كانت لدية رغبة حقيقية في إشراك الشعب ممثلاً في طبقة كبار ملاك الأراضي الزراعية في إبداء الأراء في المسائل التي تتعلق بتسيير شئون الحكومة المصرية .

وكان رأي هذا المجلس إستشارياً أيضاً و ليس إلزامياً ، و لكن هذا المجلس واكب ظهور الرأي العام المصري الذي تشكل مع ظهور الصحافة المصرية والحركة التحررية ضد التدخل الأجنبي الذي كان في ازدياد في نهاية حكم الخديو اسماعيل .

و بعد خلع الخديو اسماعيل و فيه من مصر عام 1879 م ، تولي ابنه توفيق الخديوية ، واستمر مجلس النواب في عهده يحاول أن ينتزع لنفسه حقوق تشريعية تجعله طرفاً في الموافقة علي أي قوانين أو تشريعات جديدة ، و هي الحقوق التي حصل عليها بالفعل مناصفة مع الخديوي ، بالإضافة إلي حق إقرار الضرائب والمسائل المالية بعد مناقشتها والتصويت عليها ، فكان ذلك يبشر بقيام حياة نيابية نشطة في مصر ، ومن ثم قيام نظام ديموقراطي يكون الأول من نوعه في المنطقة .

جاء عام 1882 م و جاء معه الاحتلال البريطاني الذي قضي علي هذا الحلم الوليد و قضي علي أمل مصر في أن تصبح من طليعة الدول التي تقيم نظام ديموقراطي راسخ ، و إذا قدر لمجلس النواب أن يستمر لتغير التاريخ السياسي لمصر حتي وقتنا هذا .

وفي عام 1883 م وضع لورد دفرين Duffrin القانون الأساسي لتنظيم الشئون الداخلية لمصر تحت سلطة الاحتلال البريطانية ، و نص القانون علي إقامة مجلسين استشاريين لا تشريعيين ، هما مجلس شوري القوانين و الجمعية العمومية للتداول في الشئون الداخلية لمصر ، و كان هذا المجلس بمثابة انتكاسة لتطور الحياة النيابية في مصر عاد بها 20 سنة إلي الوراء .

كان رأي مجلس شوري القوانين استشارياً ، و كان يتكون معظمه من كبار ملاك الأراضي الزراعية الذين تلاقت مصالحهم بشكل ما مع مصالح السلطة البريطانية و التي كانت تكافئهم بالقيام بمشروعات زراعية مستمرة .

ثم جاء دستور 1923م الذي تمخض عنه أول مجلس نيابي حقيقي له سلطة مساءلة الحكومة و سحب الثقة منها ، ولا تستطيع الحكومة أو الملك سن أي قوانين أو تشريعات جديدة قبل عرضها علي المجلس و التصويت عليها إما بالرفض أو القبول .

و لكن هذه المجلس أيضاً لم يكن مثالياً ، فقد حدد من سلطاته حق الملك في إقالة الحكومة وحل المجلس في أي وقت ،

لم يستطع الملك فؤاد أن يتحمل دستور 1923 م و ما تمخض عنه من حكومة أغلبية وفدية ومجلس نيابي قوي يسيطر عليه الوفد،

لذلك عمد إلي إنشاء أحزاب تكون موالية للقصر لتوازن قوة الوفد وحزب الأحرار الدستوريين في النتخابات و في المجلس ، فنشأ حزب الاتحاد الموالي للقصر ، و لكنه مني بهزائم متوالية في الانتخابات التي فاز بها الوفد فوزاً ساحقاً .

فلجأ الملك إلي استخدام الداهية إسماعيل صدقي و قام بتوليته الوزارة ، فقام الأخير بإلغاء دستور 1923م وأصدر دستور 1930م الذي أعطي صلاحيات واسعة للملك حتي سمي بدستور الملك في مقابل دستور 1923 م الذي سمي بدستور الشعب ، كما قام إسماعيل صدقي بإنشاء حزب جديد موال للقصر هو حزب الشعب ، و خاض به الانتخابات التي قاطعتها الأحزاب الأخري ما عدا الأتحاد و الوطني ، و فاز حزب صدقي في الاتخابات وشكل الوزارة .

ولكن مظاهرات عارمة تفجرت في الشوارع احتجاجاً علي إلغاء دستور 1923م تصدي لها البوليس السياسي بقسوة شديدة ، ولكن لحسن الحظ أن قوة و دكتاتورية إسماعيل صدقي أخافت الملك فؤاد ، فقبل استقالته في 21 ديسمبر 1933م ، وتعد وزارة صدقي أكثر الوزارات اعتداءا علي الدستور وامتهاناً للحياة النيابية .

ومن بعده جاءت وزارة عبد الفتاح يحيي التي لم تعمر طويلاً ، ثم أصر الإنجليز علي تولية توفيق نسيم الوفدي الوزارة لضبط الأمور، فقام بإلغاء دستور صدقي 1930م والعودة إلي دستور 1923م ، و جرت الانتخابات و فاز بها الوفد ، و تولي مصطفي النحاس الوزارة في مايو 1936م .

ظل دستور 1923م هو الدستور السائد في البلاد حتي قامت الثورة في يوليو 1952م ، وبقيام الثورة انقضت فترة خصبة من الليبرالية المصرية بما لها و ما عليها ، و بدأت فترة جديدة مختلفة عنها في نواح عديدة ، و دخل البرلمان المصري في فترة كمون طوال عهد عبد الناصر .

الحياة النيابية في مصر بعد ثورة 1952 كانت مختلفة، فمن بين المبادىء الأساسية لثورة 23 يوليو 1952 فى مصر ، مبدأ إقامة حياة ديمقراطية سليمة ، وذلك بعد أن قامت الثورة بإلغاء الدستور السابق وإعلان الجمهورية وحل الأحزاب .

وفى عام 1956 صدر الدستور الجديد ، وتم بمقتضاه تشكيل مجلس الأمة فى 22 من يوليو 1957 من 350 عضواً منتخباً ، وقد فض هذا المجلس دور انعقاده العادى الأول فى 10 فبراير سنة 1958.

وفى فبراير 1958 ونظراً لقيام الوحدة بين مصر وسوريا ألغى دستور 1956 ، وصدر دستور مؤقت للجمهورية العربية المتحدة فى مارس سنة 1958 ، شكل على أساسه مجلس أمة مشترك من المعينين ( 400 عضو من مصر ـ 200 عضو من سوريا) وعقد أول اجتماع فى 21 من يوليو 1960 واستمر حتى 22 يونية عام 1961 ، ثم وقع الانفصال بين مصر وسوريا فى 28 سبتمبر 1961.

وفى مارس 1964 صدر دستور مؤقت آخر فى مصر، تم على أساسه إنشاء مجلس الأمة من 350 عضواً منتخباً ، نصفهم على الأقل من العمال والفلاحين ، انعكاسا لصدور قوانين يوليو 1961 الاشتراكية ، إضافة إلى عشرة نواب يعينهم رئيس الجمهورية.

واستمر هذا المجلس من 26 مارس1964 إلى 12 نوفمبر سنة 1968، وأجريت انتخابات المجلس الجديد فى 20 من يناير 1969 والذى ظل قائما بدوره حتى 30 من أغسطس 1971 ، حيث مارس مجلس الأمة طوال هذه الدورات سلطاته الدستورية،

وفى 11 سبتمبر 1971 تم وضع دستور 71، وفى ظله جرت انتخابات مجلس الشعب الذى جاء مكان مجلس الأمة وعقد جلساته فى 11 نوفمبر 1971 واستمر حتى قيام ثورة 25 يناير، وتم إلغاء دستور 71 وصدر الإعلان الدستورى الذى جرت فى ظله الانتخابات البرلمانية الأخيرة والتى أطلق عليها الإعلام انتخابات برلمان الثورة،

والبرلمان المصري امتد على مدى حقبة من الزمن تمثل تاريخ الحياة النيابية المصرية بدءا من عام 1866، تعاقبت على البلاد سبعة نظم نيابية تفاوت نطاق سلطاتها التشريعية والرقابية من فترة لأخرى ليعكس في النهاية تاريخ نضال الشعب المصري وسعيه الدؤوب من أجل إقامة مجتمع الديموقراطية والحرية.

أكثر من 135 عاما من التاريخ البرلماني، تعاقبت فيها على البلاد اثنين وثلاثين هيئة نيابية تراوح عدد أعضائها ما بين 75 عضوا و 458 عضوا، أسهموا في تشكيل تاريخ مصر ووجهها الحضاري الحديث في مختلف جوانبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.


برلمان الثورة .. طموحات وآمال .. وآلام ساخنة

بدأت اليوم اولى جلسات البرلمان المصري بعد الانتخابات التي جرت في اعقاب ثورة يناير المجيدة والتي اطاحت بنظامك مبارك .

وتعتبر جلسة اليوم تاريخية بكل المقاييس فالوجوه تغيرت .. والمقلعد تبدلت .. والصور زالت من على الجدران .. والطموحات تنوعت فما بين نائب جديد دخل البرلمان من التحرير قادما من 25 يناير و 28 يناير و 11 فبارير .. ونائب قديم حر وشريف عاد ليمارس الدور الرقابي والخدمي ليعلو بمصر ..

نواب جاءوا اليوم بدلا من نواب احتكروا الدوائر الانتخابية لسنوات طوال ...

احتكروا اصوات الشعب ونزعوها ظلما وعدونا غصبا عن الشعب ليجلسوا على مقاعد ادمنوها .. وادمن الشعب معها الفقر والظلم والقهر والجهل ...