د. نصار عبدالله يكتب : عن تحرير شارع محتل

مقالات الرأي



بعد غياب طويل عن القاهرة قدر لى مؤخرا أن أزورها فى الأسبوع الماضى فى رحلة جمعت بين العلاج، وبين زيارة يتيمة وقصيرة إلى معرض الكتاب الذى كان بالنسبة لى فى غابر السنين مقر تمركز شبه دائم طيلة أيام المعرض.. جئت فى هذه المرة متوكئا على نجلى عمرو الذى لم يرث منى من العادات والخصال ( التى أعتبرها أنا حميدة).. غيرالعشق القوى للكتب والنهم الشديد فى القراءة.. حين جئنا، قدر لنا كلانا أن نشهد بالمصادفة عملية تحرير شارع إسماعيل أباظة الذى يقع فيه منزلنا المطل على ضريح الزعيم سعد زغلول.. .. هذا الشارع الذى كان فى غابر الأيام شارعا جميلا، ثم بدأ منذ إنشاء مترو الأنفاق يتحول تدريجيا إلى سوق عشوائى للباعة الجائلين بمختلف تخصصاتهم، أو بالأحرى الباعة الذين يفترض أنهم كانوا جائلين، لأنهم سرعان ما تحولوا إلى مقيمين دائمين، مقيمين على أرصفة الشارع فى البداية، ثم على جانبى الطريق فى الشريط الملاصق للرصيف، وبعد ذلك بدأ التمدد فى اتجاه وسط الشارع، إلى أن انسد الطريق أو كاد ينسد حيث لم يعد فيه من منفذ سوى ممر ضيق يمر فيه المشاة متكدسين، يدفعهم الضيق والزحام أحيانا إلى أن يقوم البعض منهم بدفع من هم يسيرون أمامهم لكى يستحثوهم على السير ( وكثيرا ما كانت تنشب المشاجرات لهذا السبب).. إنه الشارع المطل على محطة مترو سعد زغلول، حيث توجد الدواوين الحكومية، ومثل هذا النوع من الشوارع هو فى الحقيقة موقع مثالى لمثل هذا النوع من الباعة فهو شارع تقع فيه خمس وزارات هى: التربية والتعليم الإسكان، الإنتاج الحربى، البحث العلمى، الخزانة العامة!، وعلى مقربة منه تقع وزارات خمس أخرى: المالية، والداخلية، والصحة، والحكم المحلى، والتعليم العالى.. ومن ثم فإن موظفى تلك الوزارات أثناء مواعيد حضورهم وانصرافهم (وتزويغهم أيضا) هم مطمع ثمين للباعة الجائلين.. لا غرابة إذن أن يبدأ الشارع بالاكتظاظ بالشباب العاطلين عن العمل الباحثين عن مصدر رزق شريف.. وهو رزق شريف بالفعل، لكنه ليس شريفا تماما.. لماذا؟ لأنه ينبثق من أن مجموعة من المواطنين يقومون عن طريق الاحتلال بغصب ما هو ليس حقا خالصا لهم ثم يستعملونه فى غير الغرض الذى أنشئ من أجله.. . أخبرنى أحد جيرانى أن حريقا شب منذ شهر فى محل تجارى بإحدى العمارات، وحين جاءت عربة المطافئ عجزت عن دخول الشارع بينما النيران مشتعلة فى المحل، وظلت مشتعلة إلى أن أتت عليه تماما، ولولا ستر الله لا متدت إلى المحلات المجاورة، وحدثنى جار آخر بأن إحدى سيارات الإسعاف قد واجهت نفس المشكلة بينما المطلوب إسعافه يتلوى ألما.. والمثالان السابقان هما مثال صارخ لما استولى عليه الباعة الجائلون وحاولوا فرضه على الدولة فرضا باعتباره أمرا واقعا، لقد استولوا على حق الأفراد والمركبات فى الانتقال من مكان إلى مكان، واستولوا على حق المحتاج إلى الإسعاف فى أن يلقى إسعافا وحق المحترقين فى أن يلقوا مطفئا، وحق كل ملهوف أن يلقى ما يبرد لهفته، وهو فى نهاية المطاف ما ينزع صفة الرزق الشريف أو الرزق الحلال عما يجنيه كل من يكتسب رزقه على حساب حق غيره.. وصحيح أن الدولة مطالبة بتوفير فرص عمل للعاطلين.. لكنها مطالبة بذلك بالنسبة لجميع المواطنين باعتبارها دولة وباعتبارهم مواطنين.. وليس باعتبارهم مستوجبين للتعويض حينما يسترد منهم ما سبق أن سلبوه من غيرهم.. المهم أن الشرطة بدأت حملتها صباح السبت 7/2/2015.. وقبيل الظهر كان قد تم تطهير الشارع تماما من المفروشات وعربات اليد والفتارين النقالى والترابيزات.. . الخ.. . فى المساء بدأ الباعة يعودون واحدا بعد الآخر ولكن مع الالتزام بعدم تجاوز الأرصفة.. وفى صباح اليوم التالى الأحد 8/5 تم احتلال الشريط الملاصق للرصيف، وفى صباح الاثنين 9/5 بدأ الزحف فى اتجاه وسط الشارع، ومع منتصف النهار كان كل شىء قد عاد إلى وضعه الأول.. . السؤال الآن هو: لماذا نجحت عملية تحرير شارع طلعت حرب بينما فشلت (حتى الآن على الأقل) عملية تحرير إسماعيل أباظة؟ والجواب هو أن إسماعيل أباظة ليس هو طلعت حرب.