د. نصار عبدالله يكتب: خالد محيى الدين يتكلم «5»

مقالات الرأي



مازلنا مع كتاب: «الآن أتكلم» لخالد محيى الدين الذى بدأنا فى الحديث عنه فى شهر يوليو الماضى بمناسبة الذكرى الرابعة والستين لثورة يوليو، وامتد بنا الحديث عنه إلى الآن ، وقد أشرنا فى الحلقة السابقة إلى أهم الانطباعات التى يمكن أن يخرج بها قارئ معاصر لهذا الكتاب الذى يروى أحداثا جرت لمصر منذ أكثر من ستين عاما، لكننا ما زلنا نعيش آثارها الطيبة والمريرة معا إلى يومنا هذا، أشرنا فى تلك الحلقة إلى ذلك التغير الذى يطرأ عادة على نفوس القادة الثوريين بعد نجاح حركاتهم، وبعد تحولهم نتيجة لذلك النجاح من ثوار إلى حكام!.. فعندما كان أعضاء حركة «الضباط الأحرار» ثوارًا كان أهم ما يحرصون عليه هو نجاح الحركة!، وتحقيق أهدافها الوطنية، أما بعد أن أصبحوا حكاما فقد أصبح الهم الأول لكل منهم الذى ربما يسبق الهم الوطنى ذاته، أصبح همه أن يحافظ على وضعه الجديد كواحد من هؤلاء الحكام الممسكين بزمام السلطة!! وأن يطيل أمد ذلك البقاء إلى أطول فترة ممكنة، ولم يكن غريبا والحال كذلك أن يكون محمد نجيب واحدا من المعترضين على التحول من النظام الملكى إلى النظام الجمهورى لأن معنى هذا التحول أن يفقد المنصب الأهم الذى آل إلى يديه وهو منصب القائد العام للقوات المسلحة!!، وموقف اللواء نجيب فى هذا لم يكن يختلف كثيرا عن موقف الكثيرين من أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين كانوا يحرصون على أن يطيلوا إلى أقصى حد ممكن أمد الفترة الانتقالية المحددة للعودة إلى الحياة الديمقراطية البرلمانية، وقد رأينا فى الحلقة السابقة كيف أن هناك عناصر كثيرة من الضباط فى الأسلحة المختلفة قد أبدوا تذمرهم من استئثار مجلس قيادة الثورة بزمام الأمور، وقد تجلى ذلك بشكل واضح فى تذمر ضباط المدفعية الذين اعترضوا على طريقة تشكيل المجلس التى لم يؤخذ فيها رأى واحد منهم واعترضوا بوجه خاص على أن يكون ممثلهم فى المجلس كمال الدين حسين وعبدالمنعم أمين ، وكلاهما لم يكونا موضع ارتياح من جانب ضباط السلاح الذين طالبوا أن يكون ممثلوهم بالانتخاب من بينهم هم، وهو ما دعا جمال سالم إلى المطالبة بمحاكمة الضباط المعترضين محاكمة صورية ثم إعدامهم وهو الاقتراح الذى أيده بشدة أنور السادات وعبداللطيف بغدادى وعبدالحكيم عامر فى حين اعترض عليه جمال عبدالناصر وخالد محيى الدين، وما حدث فى سلاح المدفعية تكرر فيما بعد بشكل أعنف فى سلاح الفرسان «المدرعات» وهو السلاح الذى ينتمى إليه خالد محيى الدين مؤلف الكتاب وحسين الشافعى اللذين كانا عضوين فى مجلس قيادة الثورة، ومع هذا فقد كانت هناك حركة متنامية من الغضب داخل صفوف سلاح الفرسان حيث عقد ثلاثة من قادة حركة الفرسان وهم: أحمد المصرى ومحمود حجازى وفاروق الأنصارى، عقدوا اجتماعا سريا فى منزل أحد الأصدقاء بشارع عماد الدين هربا من العيون التى كانت تلاحقهم وترصد تحركاتهم واتفقوا على عقد اجتماع لضباط سلاح الفرسان لمحاسبة أعضاء مجلس قيادة الثورة !! وقد انعقد الاجتماع بالفعل فى الموعد المحدد له مساء الجمعة 26فبراير 1954فى ميس الآلاى الثانى المدرع المعروف بالميس الأخضر، حيث وجه المجتمعون نقدا شديدا إلى ما أصبحت تعيشه مصر من غياب الحريات العامة والحياة النيابية وحرية الصحافة وحرية تعدد الأحزاب وانتقدوا عددا من التصرفات الشخصية غير المقبولة من جانب بعض أعضاء قيادة ، كما انتقدو الترقيات الاستثنائية فى الجيش وطالبوا بالعودة إلى نظام الأقدمية المطلقة، بما يعنى عودة عبدالحكيم عامر إلى رتبة الصاغ وعدم توليه لمنصب القائد العام.