حمي المصريون القدماء مقابرهم بالهندسة والسحر والتمائم (صور)

منوعات

بوابة الفجر


حماية المصريين القدماء مقابرهم أحد أهم الموضوعاتالتي تشغل العالم، وما لفت الإنتباه لهذه المسألة هو ما يتعرض له علماء الأثار عند محاولة الكشف والتنقيب داخل مقابر المصريين القدماء. 

التاريخ الذي نقل لنا ما فعل "حور محب" من تحطيم كل آثار من سبقوه إلا القبور، خوفًا من سمومها، وما تركه فيها السحرة من وسائل الحماية، قبر الملك الصغير "توت عنخ آمون"، والذي بعد حادثة فتحه الشهيرة علي يد كارتر، وكارنفون، نشأ بعدها ما يُعرف باسم "لعنة الفراعنة". 
 
محاولة لتفسير لعنة الفراعنة
أرجع بعض العلماء أن الكهنة تركوا خلفهم بعض أنواع البكتيريا فى قبور ملوكهم، يبقى تأثيرها قرونًا، فعندما تتعفن الزيوت والأطعمة والصمغ مع الجسد وتتحلل تنمو هذه البكتيريا والتي تصيب كل من يقترب من جسد "الملك"، وقد ثبت من تشريح المومياوات وجود خلايا بكتيرية حية فيها، كما أن بعض هذه الخلايا يصبح أشد فتكاً وضراوة بعد الموت. 

المصريين القدماء استعملوا الإشعاع والسموم  
عالم الذرة "بولجارينى" عام 1949م، قال أن هناك احتمالاً قويًّا بأن قدامى المصريين استعملوا الإشعاعات والسموم لحماية مقابرهم، أكد هذه النظرية الدكتور "عز الدين طه" أستاذ البيولوجيا طب القاهرة فى 3 نوفمبر عام 1962م، عندما فحص رجال الآثار، فوجد البعض مصابًا بالتهاب فى الجهاز التنفسى نتيجة فطريات وجدت فى قبور المصريين، وأكد منسق "سرقات لا تنقطع" أن العلماء فسروا ما يسمى بلعنة الفراعنة بأنها تحدث نتيجة لتعرض الأشخاص الذين يفتحون المقابر الفرعونية لجرعة مكثفة من "غاز الرادون"، وهو عنصر غازي مشع موجود في الطبيعة عديم اللون، شديد السُميّة، وإذا تكثف فإنه يتحول إلى سائل شفاف، ثم إلى مادة صلبة معتمة.

تصميم مقابرهم
قامت عقيدة المصريين القدماء حول عالم الآخرة على الحفاظ على سلامة الجثمان والمكان الذى يوجد فيه، ولهذا كان على مصمم المقبرة أن يبتكر بإستمرار وسائل ليمنع إقتحام حجرة الدفن وليحمى المومياء بوجه خاص وما كان يوضع معها، وأول محاولة لحماية حجرة الدفن قد ظهرت فى مصاطب الأسرة الأولى وذلك بجعل حجرة الدفن فى قاع بئر منحوتة يتراوح عمقها من مترين إلى ثلاثة أمتار، وغلق الحجرة نفسها بكتلة كبيرة من الحجر، وفى العصور التى تلت عصر بداية الأسرات لجأ المصرى القديم إلى عدة وسائل لحماية المقبرة والمومياء التى بداخل التابوت بأساليب ووسائل كيميائية. 

تطور الحماية 
لم يكن التابوت الخشبى يمثل الحماية الكافية للمومياء، لذا ظهر التابوت الحجرى، وفى الأسرة الثالثة كانت معظم توابيت الدولة القديمة من الحجر الجيرى، أما توابيت الملوك وكبار الشخصيات إتخذت من أحجار أكثر صلابة كالجرانيت والكوارتز، ولقد عجزت التوابيت المصنوعة من الحجر الجيرى عن حماية المومياء، إذ كان من السهل أن يهشم غطاؤها، أو أن يثقب أحد جوانبها، وقد أصبحت التوابيت من الجرانيت أو الكوارتز تمثل تحديا أصعب،لكن اللصوص كانوا يكتفون بإزاحة غطاء التابوت بالقدر الذى يسمح بالوصول إلى المومياء.

وضع التابوت بعد ذلك فى فتحة فى أرضية غرفة الدفن تصل إلى حافته كما نرى فى هرم الملك خفرع حتى لا يستطيع اللصوص إمالة التابوت على جانبه فيسقط غطاؤه وما فيه. 

فى عصر الدولة القديمة أستخدم أسلوب إنزلاق الغطاء على طول التابوت ليتداخل معه بفتحة فى نهايته، بينما يسقط وتدان من المعدن من ثقوب فى الغطاء داخل ثقوب مقابلة فى حافة التابوت، كما نرى فى توابيت الملك خفرع ومنكاورع. 

فى الدولة الوسطى زُودت بعض التوابيت الخشبية فى الجبانات الفاخرة بأقفال خاصة لتجنب إعادة فتحها، ومن أمثلتها تابوت بشكل آدمى للسيدة سنبيستى من اللشت، 

فى عصر الدولة الحديثة زاد حجم التابوت كمحاولة لحماية مومياء "الملك" وذلك بإحاطتها بعدة أطنان من الجرانيت ووضع المومياء فى أكثر من تابوت من الخشب داخل عدة "مقاصير" من الخشب أيضا، كما وجدنا بمقبرة الملك "توت عنخ آمون". 

أستخدمت الأبواب المنزلقة، والسدادات الحجرية فى داخل ممرات أهرام الأسرة الرابعة حتى السادسة وخاصة السدادات من الجرانيت التى يصعب تهشيمها وخاصة فى الممرات المؤدية إلى حجرة الدفن، 

لتوفير قدر أكبر من الحماية، نجد أن هرمى مزغونة اللذين ينسبان إلى الملك "أمنمحات الرابع"، وخاصة الهرم الشمالى يحتوى على بابين، الأول يزن 24 طنا و الثانى 42 طنا.

الممرات
إعداد ممرات التمويه وأبواب سرية لتضليل اللصوص كما نرى فى هرم الملك "أمنمحات الثالث" فى هوارة، في هذا الهرم نرى لأول مرة ممرات خفية تخفيها أبواب سرية، وهو إنجاز هام فى سلسلة الجهود التى بُذلت لتأمين الدفنة الملكية، كما عمد المعماريون أحيانا إلى إقامة غرفة كاذبة للدفن حتى يخدع اللصوص، ثم الحجرة الحقيقية على عمق أبعد فى مقابر كبار الشخصيات فى الدولة الوسطى.

وضع المقبرة في وادى منعزل
تجديد هام قام به الملك "تحوتمس الأول" الذى تولى عرش مصر بعد "أمنحتب الأول"، وهو حماية المقبرة الملكية فى واد منعزل خلف منحدرات الدير البحرى المعروف بإسم "وادى الملوك"، وكان أول من دفن هناك الملك "تحوتمس الأول" الذى كان قد كلف مهندسه "أنيني" بالبحث عن المكان الملائم وإعداد مقبرته فيه. 

"أنيني" منشئ وادي الملوك 
سجل التاريخ أن "أنينى" قضى شهرين يبحث فى الجهة الغربية من النهر، حتى عثر على مكان بين الجبال يصلح لأن يكون المثوى الأخير لجثمان ملكه، ولم يكن هذا المكان سوى "وادي الملوك"، فأختار "أنيني" لحفر مقبرة الملك بمنطقة تقع على بعد عدة أمتار إلى الغرب من مقبرة "أمنحتب الأول" وهى المقبرة رقم 38 بوادي الملوك، ونصل إليها عن طريق مدخل فى الجدار الصخرى الذى يؤدى إلى ممر منحوت، ويؤدى إلى سلم، حيث نجد فى نهايته حجرة مربعة منحوتة فى الصخر، ومن هنا نجد سُلماً آخر يؤدى إلى حجرة الدفن.

وللقدماء حيل أخرى
قام الكهنة بتزويد المقبرة الملكية فى البر الغربى بطيبة ببئر تسد الطريق للغرفة الأمامية لحجرة الدفن كأحد الملامح المميزة للمقبرة الملكية، فقد كان البئر وسيلة لحماية المقبرة من اللصوص ومن مياه السيول التى قد تتسرب إلى جوفها.

إستحدثت الأسرة الثانية والعشرين والأسرة السادسة والعشرين وسيلة جديدة، وهي بناء المقبرة الملكية داخل حرم المعبد الرئيسى بدلا من إقامتها فى موضع ناءٍ ومنعزل عن الناس مما يوفر للصوص فرصة العمل دون إزعاج، وبذلك فقد أصبحت المقبرة الملكية تحت أنظار الكهنة وقد أستخدمت هذه الطريقة فى مقابر ملوك الأسرتين الحادية والعشرين والثانية والعشرين فى تنيس وفى مقابر المعبود آمون المقدس فى معبد مدينة "هابو" فى طيبة، كما إستخدمها أيضا ملوك الأسرة السادسة والعشرين فى داخل سور معبد "نيت" فى "سايس".

حماية مقابر الأفراد 
تطورت الحماية لمقابر الأفراد بحفر بئر متسع يبلغ إتساعها 10 أمتار تقريبا، وعمقها حوالى ثلاثين متراً، ويشيد فى قاع هذه البئر حجرة دفن مربعة الشكل سقفها على شكل قبو حجرى به ثلاث فتحات تغلق بأوانى فخارية، بحيث تكون قاعدة الأوانى إلى أسفل، وتثبت جيدا بالملاط فى موضعها، وبعد ذلك يقوم العمال بحفر بئر موازية أقل إتساعا وتتصل بحجرة الدفن عن طريق دهليز أو ممر ضيق أفقى يسد بثلاث كتل حجرية ضخمة، يتم ملئ البئر الأولى بالرمال حتى نهايتها. 
بعد الإنتهاء من مراسم الدفن وإغلاق التابوت الذى يكون قد وضع مسبقا فى الغرفة أثناء بنائها، يقوم آخر العمال بكسر الأوانى الفخارية قبل مغادرة حجرة الدفن فتنهال الرمال داخلها حتى تملأها تماما عندما يغادر العمال حجرة الدفن عن طريق الممر الأفقى الذى يؤدى إلى البئر وبعد ترك حجرة الدفن يتم إغلاقها بثلاثة كتل حجرية، ثم يصعدون من البئر الموازية بواسطة حبال و دخلات غائرة فى جدار البئر الموازية وبعد خروج آخر عامل تملأ هذه البئر بالرمال أيضا، إذا حاول أحد اللصوص إقتحام المقبرة تحتم عليه الدخول من البئر الموازية لأن الأخرى أكبر من أن يستطيع إفراغها، فإذا تمكن من النزول فى البئر الموازية بعد إزاحة الرمال و يصل إلى الممر الأفقى يفاجىء بالسدادات الثلاثة التى تغلق حجرة الدفن، فإذا أزاحها فأجأه طوفان من الرمال التى تأخذ فى الإنهيار من داخل حجرة الدفن ومن سقفها وربما يدفن تحتها.

ومن أفضل نماذج هذا النوع مقبرة "آمون تف نخت" فى سقارة، ويقتصر هذه الطراز رغم فاعليته الكبيرة فى الحماية على جبانة منف، وربما يرجع ذلك إلى عامل الأرض الصخرية التى تسمح بحفر الآبار الصخرية العميقة.

استخدام السحر
لجأ المصرى القديم إلى السحر كخط دفاع ثان لحماية المقبرة، وقد زاد إعتماد المصرى على السحر زيادة فائقة فى العصر المتأخر، ونعرف أن الفصل 1377 من فصول كتاب الموتى الذى كان من المحتم كتابته على أربعة نماذج من طوب الصلصال، وكانت تلك النماذج توضع فى فجوات فى جدران حجرة الدفن تسد بالبناء، ووجدت بالفعل أمثلة لذلك الطوب المنقوش، الذى كان الغرض منه كما يقول النص أن يحمى المقبرة من أعداء "أوزير".

الهدف الآخر من بعض التمائم إضافة حماية عامة على المومياء، وإختص بعضها بوظائف محددة مثل التمائم التى تمثل أعضاء جسم الانسان، والتى يمكنها أن ترد إليه ملكاته الحسية، ولقد أتخذت التمائم أشكالا مصورة عدة، ومنها ما كان على هيئة مسند الرأس لتمنع إنفصاله عن الرأس، وشكل الثعبان فيحمي المتوفى من لدغته، أو شكل صولجان من البردى لأن الصولجان يضمن حيوية الأطراف، ونص آخر كان يكتب على قطعة من البردى توضع تحت رأس المومياء لتزداد مقاومة المومياء للفناء، ومن أهم اشكال التمائم التى تحقق الحماية الكاملة عقدة إيزيس (تيت) وعمود (جد)، وعين حورس (واجيت) وعلامة (عنخ).

العلامات
 فعلامة "تيت" تمثل الحماية بواسطة "إيزيس" والعمود "جد" يمثل حماية "أوزير" والعين الصحيحة لـ "حورس" تمثل حماية حورس القوية وتميمة "الجعران" ترمز إلى رب البعث "خبرى" وإلى الحماية والتجدد، وأخيرا نجد فى الصيغة الموجهة إلى الأحياء هذا التحذير من الاعتداء على حرمة المقبرة، "أما هؤلاء الناس الذين سيوقعون السوء بهذه المقبرة أو يؤذون تمثالها فسيصيبهم غضب المعبود".
وفى مدخل حجرة الدفن الخاصة بـ "توت عنخ آمون" كُتب ..  "الموت سوف يمس بجناحيه من سوف يقلق فى أبدية الملك الذى يرقد فى هذه المكان" .